فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 293

الرؤية الأولى: وترى أن التعددية الثقافية ستظل وأن الخصوصية الثقافية سوف تظل أيضا ولن يكون هناك ما يسمى عولمة الثقافة أو ثقافة العولمة لأن الثقافة لا تعولم. وأن الهيمنة الثقافية غير ممكنة والغزو الثقافي لابد أن يقابل بالمقاومة.

الرؤية الثانية: بروز ثقافة العولمة إذ تعتنق العديد من الشرائح من مجتمعات مختلفة نمطا ثقافيا واحدا عالميا إنسانيا. فتتحدث لغة واحدة. وتفکر وتتبنى القيم نفسها. وتستند هذه الرؤية إلى دور تقنيات الاتصال والمعلومات ووجود مصلحة مشتركة تدفع إلى تبني هذه الثقافة.

الرؤية الثالثة: أن تنجح العولمة في خلق حد أدنى من القواسم المشتركة في المجال الثقافي على المستوى العالمي يتجاور مع الخصوصيات الثقافية, وتقوم هذه الرؤية على حقيقة أن تكنولوجيا الاتصال والمعلومات لابد أن تنجح في بث هذا الحد الأدنى من المشترك الثقافي, وان المجتمعات ذات الخصوصية الثقافية لن تمانع في قبول ذلك ولن تحبذ العزلة ولكنها أيضا لن تفرط في خصوصيتها أو في جانب كبير من ثقافتها التقليدية, وأنها سوف تنتقي من الثقافة العالمية ما يفيدها في عملية التطور ستخضع تراثها الثقافي في الوقت نفسه للمفرزة الانتقائية نفسها، وسوف تنجح في ذلك.

الرؤية الرابعة: أن تنشأ ثقافة مشوهة لا تنتمي إلى الثقافات التقليدية تماما, ولا تنتمي إلى ثقافة

عالمية تماما, ولا إلى النموذج الغربي الذي تفرضه العولمة.

والواقع إن الانغلاق موقف سلبي, غير فاعل. ذلك لأن فعله الموجه ضد الاختراق الثقافي - أي محاربته اله - لا ينال الاختراق ولا يمسه ولا يفعل فيه أي فعل, بل فعله موجه كله إلى الذات قصد تحصينها. والتحصين إنما يكون مفيدة عندما يكون الطرفان على نسبة معقولة من تكافؤ القوى والقدرات. أما عندما يتعلق الأمر بظاهرة عالمية عامة كالعولمة, ويفرضها أصحابها فرضا بتخطيط واستراتيجيا, فان الانغلاق في هذه الحالة ينقلب إلى موت بطيء, قد تتخلله بطولات مدهشة ولكن صاحبه محكوم عليه بالإخفاق.

أن أي مواجهة الاختراق الثقافي وأيديولوجيته العولمة يجب أن ينطلق أولا وقبل كل شيء من العمل داخل الثقافة نفسها. ذلك لأنه سواء تعلق الأمر بالمجال الثقافي أو بغيره, فمن المؤكد أنه لولا الضعف الداخلي لما استطاع الفعل الخارجي أن يمارس تأثيره بالصورة التي تجعل منه خطرة على الكيان والهوية (1) . فحالة الانكفاء الثقافي إلى منظومة المرجعية التقليدية هي في منظور علم اجتماع الثقافة شكل من أشكال الممانعة الثقافية ضد الاستسلام ومحاولة للبحث عن نقطة توازن في مواجهة عصف التيار الثقافي الجارف. وهي وإن كانت

1 -محمد عابد الجابري. العولمة والهوية الثقافية عشر أطروحات. مصدر سابق. ص 305 - 306.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت