المقدمة
كان أول من أطلق مفهوم العولمة أو الكوننة معرفيا عالم السوسيولوجيا الكندي مارشال ماك لوهان, أستاذ الإعلاميات السوسيولوجية في جامعة تورنتور عندما صاغ في نهاية عقد الستينيات مفهوم القرية الكونية, وتبني هذه الفكرة من بعده زبغنيو بريجنسكي الذي أصبح فيما بعد مستشارة للرئيس الأمريكي جيمي كارتر (1977 - 1981) , وعمل على أن تقدم أمريكا, أنموذجا كونية للحداثة يحمل القيم الأمريكية في الحرية وحقوق الإنسان (1) . وقد طغت العولمة خاصة في العقد الأخير من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين, على ما عداها من موضوعات في علوم الاقتصاد والسياسة والاجتماع والثقافة والاتصالات والمعلوماتية, واكتسبت - بفعل عوامل عديدة - صفة الظاهرة التاريخية المؤسسة التحولات عميقة في صميم الحياة الإنسانية. وقد ركزت موضوعات العولمة على أن الدولة استنفدت دورها التاريخي في البناء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. وهناك عملية اختفاء وتنازل طوعي تجريها الدولة لحساب رأس المال ممثلا بشكل رئيس بالشركات المتعددة الجنسية. والعولمة هي الصيغة المتقدمة التي يرتكز عليها الخطاب اليومي للشركات المتعددة الجنسية,
1 -وللمزيد من التفصيل أنظر: سيار الجميل (تعقيب) على بحث السيد يسين. في مفهوم العولمة. في أسامة أمين الخولي (محررا) . العرب والعولمة. مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت. الطبعة الثالثة. 2000. ص 39. أما مصطلح العولمة لغوية فهو لفظ مأخوذ من (عالم) ، ويتصل بها فعل (عوم) على صيغة (فعل) وهي من أبنية الموازين الصرفية العربية. ونلاحظ على دلالة هذه الصيغة أنها تفيد وجود فاعل يفعل. وكما أن الناس اختلفوا فيها ما بين مندد ومسدد، فقد اختلفوا كذلك في تعريفها، ولكن يكاد يتفق الجميع على حد أدنى، وهو اصطباغ عالم الأرض بصبغة واحدة شاملة لجميع من يعيش فيه، وتوحيد أنشطتهم الاقتصادية والاجتماعية والفكرية من غير اعتبار لاختلاف الأديان والثقافات، والجنسيات والأعراق. فمهما تعددت السياقات التي ترد فيها (العولمة) ، فإن المفهوم الذي يعبر عنه الجميع، في اللغات الحية كافة، هو الاتجاه نحو السيطرة على العالم وجعله في نسق واحد. ومن هنا جاء قرار مجمع اللغة العربية بالقاهرة بإجازة استعمال العولمة بمعنى جعل الشيء عالمية. وكل هذا لا يخرج عن اعتبار العولمة - في دلالتها اللغوية أولا - هي جعل الشيء عالمية، بما يعني ذلك من جعل العالم كله وكأنه في منظومة واحدة متكاملة. وهذا هو المعنى الذي حدده المفكرون باللغات الأوروبية للعولمة Globalization في الإنجليزية والألمانية، وعبروا عن ذلك بالفرنسية بمصطلح Mondialisation ووضعت كلمة (العولمة) في اللغة العربية مقابلا حديثا للدلالة على هذا المفهوم الجديد. وتظهر مشكلة العولمة في هذا التعريف، فطالما أن الأعراق متنوعة والثقافات متعددة، والأديان مختلفة، والأهواء متباينة، فمن يحكم هذه الصبغة الواحدة؟ من يضع ضوابطها ويحدد قوانينها؟ ويمكن القول بأن العولمة، بالموجهات الرئيسة التي تحركها، لا تتضمن أي جديد بل هي شكل من الاستعمار لا تختلف في أهدافها عن أهداف الموجات الاستعمارية السابقة. وللمزيد انظر: الدرر السنية. موسوعة المذاهب الفكرية المعاصرة. تعريف العولمة. ص 9791/