فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 390

التي التزمت بمقاومة أي انتهاكات للحياد البلجيكي. وهذا الوضع المضمون دوليا دام نحو قرن من الزمن؛ وقد شكل العامل الذي جر إنكلترا إلى الحرب العالمية الأولى، عندما أقدمت قوات المانيا على شق طريقها عنوة إلى فرنسا عبر الأراضي البلجيكية

تنعكس حيوية أي نظام دولي على التوازن الذي يحققه بين المشروعية والقوة والتركيز النسبي على كل منهما، أي من العنصرين لا يستهدف وقف التغيير لعلهما، مجتمعين، يحاولان ضمان حصوله - حصول التغيير - بوصفه موضوع تطور، لا صراع إرادات فجا. إذا كان التوازن بين المشروعية والقوة مدارا على نحو سليم، فإن التحركات ستكتسب قدرا من العفوية. استعراضات القوة ستكون هامشية ورمزية إلى حد كبير؛ ولأن تموضع القوى سيكون مفهوما عموما، فإن أي طرف لن يشعر بالحاجة إلى استنفار كل ما لديه من قوى احتياطية. أما حين يتم نسف التوازن، فإن الضوابط تختفي، وتغدو الساحة مفتوحة أمام اكثر الادعاءات شطنا ولشد الأطراف الفاعلة عنادا وحقدا؛ ثم تحل الفوضى إلى أن يتم استحداث ترتيبات نظام جديد.

تلك التوازن كان الإنجاز البارز لمؤتمر فيينا. نجح الحلف الرباعي في ردع التحديات التي واجهت التوازن الإقليمي، وذكرى نابليون أبقت فرنسا - المعانية من وطاة المتاعب الثورية - هادئة. في الوقت نفسه، ثمة موقف حكيم من السلم افضي إلى استيعاب فرنسا السريع في إطار جوتة القوى المشكلة أساسا لإحباط

طموحاتها. أما النمسا، بروسيا، وروسيا، التي كان يجب أن تكون متنافسة، حسب مفهوم توازن القوة، فقد دابت في الحقيقة على اتباع سياسات وخطط مشتركة عمليا، بادرت النمسا وروسيا إلى إرجاء نزاعها الجيوسياسي المقيم باسم مخاوفهما المشتركة من الانتفاضة الداخلية. فقط بعد تعرض عنصر المشروعية في هذا النظام الدولي للاهتزاز جراء سلسلة ثورات 1848 الفاشلة تعرض التوازن للانقطاع لا بوصفه تعادلا خاضعا لتعديلات مشتركة بل على انه وضع يلزم بالاستعداد لنوع من التنافس على السيادة أكثر فأكثر.

مع بدء الكفة بالرجحان اكثر فاكثر لصالح عنصر القوة في المعادلة، صار دور بريطانيا عنصر توازن متزايد الأهمية. تمثل مؤشرا الدور البريطاني الموازن هذا بحرية حركتها وتصميمها الأكيد على هذه الحركة، فوزير خارجية بريطانيا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت