مع بولونيا وتشيكوسلوفاكيا - كاشفة عن مطامعها كما عن الأسباب العميقة الاستبانها، ومن المثير للدهشة أن فرنسا أنجزت اتفاقية لوكارنو رغم تركها الحلفائها في أوروبا الشرقية مكشوفين رسما أمام النزعة الانتقامية النارية الألمانية المتربصة - إشارة إلى ما كانت ستفعله بعد عقد من الزمن في مواجهة تحد فعلي
في عشرينيات القرن العشرين دأبت المانيا جمهورية فايمار على مناشدة ضمائر لغرب مقارنة عيوب تسوية فيرساي ونزعتها التأديبية بمبادئ عصبة الأمم الأكثر مثالية للنظام العالمي. فهتلر الذي وصل إلى السلطة عام 1933 بالانتخاب الشعبي لشعب ألمانيا المسناء، سارع إلى نفض يده من جميع الضوابط، تسلح مجددا منتهكا شروط سلام فيرساي وأطاح بتسوية لوكارنو معيدا احتلال حوض الراين، وحين أخفقت تحدياته في استثارة قدر ذي شان من الرد، راح هتلر بفكك دول أوروبا الوسطى والشرقية الواحدة بعد الأخرى: النمسا أولا، متبوعة بتشيكوسلوفاكيا، وأخيرا بولونيا.
طبيعة هذه التحديات لم تكن محصورة بثلاثينيات القرن العشرين، ففي كل حقبة، تتولى البشرية إنتاج أفراد أبالسة وأفكار فمع تخريبية شريرة. وما مهمة الحنكة السياسية سوى منع صعودهما إلى مواقع السلطة والعمل على إدامة نظام دولي مؤهل لردعهما إذا ما فعلا. خلطة سنوات ما بين الحربين المسمومة الجامعة بين النزعة السلمية السهلة، اختلال التوازن الجيواستراتيجي، وتشرذم متحالف، ما لبثت أن أطلقت أبدي هذه القوى
كانت أوروبا قد اجترحت نظاما دوليا من حروب دامت ثلاثة قرون، ثم ما البثت أن نبذته لأن قادتها أخفقوا في رؤية العواقب عندما أشعلوا فتيل الحرب العالمية الأولى - ورغم أنهم لم يتبينوا العواقب المترتبة على حريق آخر، فإنهم بادروا إلى الانكفاء أمام مضاعفات التحرك من منطلق بصيرتهم لنافذة. لم يكن انهيار النظام الدولي في جوهره إلا قصة استسلام، بل انتحار. منخلية عن مبادئ النسوية الوستفالية وعازفة عن ممارسة القوة المطلوبة لتسويغ بديلها الأخلاقي-المعنوي المعلن، كانت أوروبا الآن غارقة في حرب الخرى جث وراءها مرة أخرى ضرورة إعادة صوغ النظام الأوروبي