فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 390

وقف نزيف الدم. كانت الوحدة الدينية قد تمزقت مع بقاء المذهب البروتستنتي وانتشاره؛ كان التنوع السياسي منجنا في العديد من الوحدات السياسية المستقلة التي كانت قد قاتلت حتى الرمق الأخير. هكذا إن تم في أوروبا الاقتراب من شروط النظام العالمي المعاصر: وحدات سياسية متعددة ليس فيها واحدة ذات قوة كافية لدحر الأخرى، وكثرة منها متبنية لفلسفات وممارسات داخلية متناقضة، بحثا عن قواعد محايدة لضبط سلوكها والتخفيف من الصراع

جاء سلام وستفاليا عاكسا لنوع من استيعاب الواقع، لا بوصفه نبصرا أخلاقيا فريدا، جاء مستندا إلى منظومة دول مستقلة نانت بنفسها عن التدخل في الشؤون الداخلية لبعضها البعض ووضعت حدا لطموحات بعضها عبر توازن عام للقوة، ما من ادعاء وحيد لحقيقة أو قاعدة شاملة كان قد طفي في نزاعت أوروبا، بدلا من ثلك جرى الاعتراف لكل دولة بحق السيادة على أرضها، تعين على كل طرف أن يقر بالبني الداخلية والرسائل الدينية لدى الدول الأخرى على أنها وقائع وأن يمتنع عن تحدي وجودها، ومع توازن للقوة منصورا الآن محايدا ومرغوبا، فإن من شان طموحات الحكام أن تطرح في مواجهة بعضها البعض الآخر، بما يساهم، أقله نظريا، في تقليص مدى الصراعات. ما لبث الانقسام والتعددية، الحاصلان في تاريخ أوروبا، أن أصبحا اثنين من معالم نظام دولي جديد ذي نظرة فلسفية مميزة تخصه. وبهذا المعنى فإن المسعى الأوروبي الهادف لإطفاء حريق القارة أدى إلى صوغ الحساسية الحديثة وتصورها مسبقا: أدى الأمر إلى امتلاك الحكم على ما هو مطلق لصالح ما هو عملي ومسكوني؛ لا بد له من استقطار النظام من عنصري التعددية والانضباط

متفاوضو القرن السابع عشر الذين اجترحوا سلام وستفاليا لم يخطر ببالهم أنهم كانوا عاكفين على إرساء الأساس اللازم لنظام قابل للتطبيق عالميا، لم يحاولوا ضم روسيا المجاورة التي كانت آنذاك مشغولة بإعادة تمنين نظامها الخاص بعد"زمن الاضطرابات الكابوسي عبر اعتماد مبادئ متميزة التناقض مع نوازن وستفاليا: نظام حكم فردي مطلق، أصولية (أرثوذكسية دينية موحدة وبرنامج توسع إقليمي في سائر الاتجاهات. كذلك لم تبادر مراكز القوة الرئيسية الأخرى إلى اعتبار النسوية الوستفالية بمقدار ما اطلعت عليها بالمطلق) ذات شان بالنسبة إلى اقاليمها."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت