فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 390

زمن متاعب، حربا أهلية، أو فترة أمراء حرب"- فترة تمزق تبعث على الرثاء كان قد تم تجاوزها، بقيت أوروبا تزدهر على التشظي ونحتضن انقساماتها، السلالات الحاكمة والقوميات المتنافسة المتمايزة لم تكن تعد صبغة من صيغ الفوضى التي ينبغي الإجهاز عليها، بل كانت تبدو عبر المنظار المثالي لساسة أوروبا - الواعين حينا وغير الواعين حينا آخر - آلية متقنة من وجهة نحو نوع من التوازن الحافظ المصالح كل شعب، تماسكه، واستقلاله. وعبر ما يزيد على الف سنة، ظل نظام فن الحكم الأوروبي الحديث بتباره العام مستعدا من التوازن، وظلت الهوية مستمدة من مقاومة الحكم الكوني الشامل، لا بعني ذلك أن عوامل أوروبا كانوا اكثر نحصينا ضد أمجاد الفتح والاجتياح أو الغزو من نظرائهم في حضارات أخرى أو أكثر التزاما بالمثل الأعلى للتنوع على نحو مجرد، لعلهم كانوا مفتقرين إلى القوة اللازمة لفرض إرادات بعضهم على بعضهم الآخر على نحو حاسم. هل تمكنت أوروبا في زماننا من تجاوز هذه النزعة التعددية والتعالي عليها؟ أم أن جملة الصراعات الداخلية في الاتحاد الأوروبي دائية على تأكيدها؟"

على امتداد خمسة قرون كان حكم روما الإمبراطوري قد ضمن حزمة قوانين واحدة، دفاعا مشتركا، ومستوى خارقا من الحضارة. ومع سقوط روما، عام 476 كما نقول الروايات التقليدية، تفككت الإمبراطورية. وإبان ما يطلق عليها اسم عصور الظلام ازدهر الحنين الماضوي إلى الكونية المفقودة. تركز حلم التناغم والوحدة على الكنيسة. ففي النظرة العالمية تلك كان الملكوت المسيحي مجننا موحدا خاضا لإدارة نمطين متکاملين من أنماط السلطة الدكتاتورية المتسلطة نمط الحكم المدني، خلفاء القيصر، القائم على صون النظام في الفضاء الزمني - الدنيوي من ناحية؛ ونمط الكنيسة، خلفاء بطرس الرسول القائم على النزوع إلى تبني مبادئ خلاص كونية شاملة ومطلقة من ناحية ثانية، فالقديس أوغسطين الهيبوني استنتج نظربا، لدى كتابته في شمال إفريقيا مع تعرض الحكم الروماني للتداعي، أن من شان السلطة السياسية الزمنية أن تكون شرعية بمقدار بقائها داعمة لاتباع حياة تخاف الرب مشفوعة بخلاص الإنسان، كتب البابا جيلاسيوس الأول في 494 م يقول:"ثمة نظامان يتم حكم هذا العالم في ظليهما: نظام سلطة الرهبان المقدس من جهة، ونظام السلطة الملكية من جهة أخرى، وبين هذين"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت