وكذا لا أعلم سرَّ تأخير النبي صلى الله عليه وسلم تبليغ ما في الفصوص، عن زمان تبليغ ما أوحي إليه عليه الصلاة والسلام من النصوص، إلى أن يأتي الشيخ الأكبر بعد نحو ستماية سنة بعد الهجرة، فيناولها إياه في المنام ويقول له اخرج بها إلى الناس، فخرج بها غيرَ مغير منها مقدار ذرة!" [1] ."
ونفي الآلوسي أن يكون مرادُه من هذا الكلام نفيَ السر في نفس الأمر، وإنما نفيه علمه هو به، مع تسليم أن له سرًا هو معلوم لدى صحب ابن عربي، لا يُزيل ما يلوح من إنكاره هذا الضرب من التأليف، والتصريح بما افتتن به كثير من الناس وضلوا بسببه ضلالًا بعيدًا.
ومما يزيد موقف الآلوسي هذا وضوحًا أنه من المقرر عند الأصوليين أن حكم الرؤى والأحلام في الشرع أنه لا ينبني عليها حكم ولا يثبت بها شيء من الأشياء، حتى صرح العلماء بأن من يرى النبي صلى الله عليه وسلم في الرؤيا ويتلقى منه أمرًا أو نهيًا لا يجوز له في اليقظة أن يعتمد على ذلك، لعدم الثقة بضبطه لما يرى وانتفاء اختلاط الأمر عليه فيه، ولأن الله تعالى لم يتوفَّ نبيه إليه إلا بعد أن أتم الدين على يديه، ولم تبق حاجة إلى بيان آخر فيه، (إلا أن يؤتي الله عبدًا فهمًا في القرآن) كما ورد. وذلك أننا"لو جعلنا الكشف حجة شرعية لما كانت دلائل الشرع محصورة فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه وتلقاه عنه أصحابه الذين هم خير هذه الأمة، وهم لم يقولوا بهذا الكشف"
(1) 141 غرائب الاغتراب 145، والعبارة الأخيرة إشارة لما ذكره ابن عربي من سبب تأليفه فصوص الحكم. وانظر: ابن عربي حياته ومذهبه، 87 وما بعدها.