فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
زَاعِمِينَ أن صيغةَ التفضيلِ لا يمكنُ أن تنصبَ المفعولَ؛ ولذا اختلفوا في إعرابِ بيتِ العباسِ بنِ مرداسٍ السُّلميِّ [1] المشهورِ حيث قال:
فَلَمْ أَرَ مِثْلَ الْحَيِّ حَيًّا مُصَبَّحًا ... وَلاَ مِثْلَنَا يَوْمَ الْتَقَيْنَا فَوَارِسَا ...
أَكَرَّ وَأَحْمَى لِلْحَقِيقَةِ مِنْهُمُ ... وَأَضْرَبَ مِنَّا بِالسُّيُوفِ الْقَوَانِسَا [2]
فالكوفيونَ يقولون: (القوانس) مفعولٌ به لـ (أَضْرَبَ) التي هي صيغةُ التفضيلِ. والبصريونَ يقولونَ: لا يمكنُ أن تُنْصَبَ بصيغةِ التفضيلِ فهي منصوبةٌ بفعلٍ محذوفٍ دَلَّتْ عليه صيغةُ التفضيلِ، أي: نضربُ القوانسَ. وعلى قولِ البصريينَ فيكونُ قولُه: {مَنْ يَضِلُّ} منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ دَلَّتْ عليه صيغةُ التفضيلِ، أي: يعلمُ مَنْ ضَلَّ عَنْ سبيلِه. وقال قومٌ: هو منصوبٌ بنزعِ الخافضِ؛ لأن الأصلَ: (هو أعلمُ بِمَنْ ضَلَّ عن سبيلِه) فَحُذِفَ الباء ونُصِبَ بنزعِ الخافضِ، قالوا: ويدلُّ لهذا قولُه: {هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) } فجاءَ بالباءِ في قولِه: {بِالْمُعْتَدِينَ (119) } وقولُه فِي أُخْرَيَاتِ النحلِ: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ} [النحل: أية 125] فجاءَ بالباءِ. وهذا الإعرابُ ضَعَّفَهُ الكوفيونَ؛ لأن النصبَ بنزعِ الخافضِ لا يكونُ إلا بعاملٍ يعملُ، وصيغةُ التفضيلِ لا تعملُ فِي المفعولِ ونحوِه. هذا قولُ العلماءِ. والذي يظهرُ لنا في القواعدِ العربيةِ: أن هذه المسألةَ الصوابُ فيها مع الكوفيين لاَ مع البصريين، وأن صيغةَ التفضيلِ تنصبُ المفعولَ، وأنه لا مانعَ من ذلك؛ لأَنَّ صيغةَ التفضيلِ مُسْتَنِدَةٌ على مصدرٍ، فقولُه: «وَأَضْربَ مِنَّا بالسيوفِ القَوَانِسَا» في معنَى قَوْلِكَ: يَزيدُ ضَرْبُنَا القَوانِسَ على غيرِنا. وهذا لاَ مانعَ من عَمَلِهِ، فالمصدرُ الكامنُ فيها القياسُ أن يعملَ عملَ فِعْلِهِ. وَخَالَفَ البصريونَ في
(1) هو العباس بن مرداس بن أبي عامر السلمي، من مضر، أبو الهيثم: شاعر فارس، من سادات قومه، أمه الخنساء الشاعرة. أدرك الجاهلية والاسلام، وأسلم قبيل فتح مكة. وكان من المؤلفة قلوبهم. توفي نحو 18 ه. انظر: الزركلي، مرجع سابق، 3/ 267.
(2) انظر البيت في: الزمخشري، مرجع سابق، 2/ 702. ابن حيان، مرجع سابق، 4/ 630. السمين الحلبي، مرجع سابق، 1/ 261. النعماني، مرجع سابق، 1/ 511.