وبَشَّرْتَنِي يَا سَعْدُ أَنَّ أَحِبَّتِي ... جَفَوْنِي وَقَالُوا الْوُدُّ مَوْعِدُهُ الْحَشْرُ
فجفاءُ الأحبةِ أمرٌ يسوءُ، والبشارةُ به بشارةٌ بسوءٍ، ومنه قولُ الآخَرِ [1] :
يُبَشِّرُنِي الْغُرَابُ بِبَيْنِ أَهْلِي ... فَقُلْتُ لَهُ: ثَكِلْتُكَ مِنْ بَشِيرِ
هذا أسلوبٌ عربيٌّ معروفٌ، وعلماءُ البيانِ يُسَمُّونَهُ نوعًا من أنواعِ المجازِ، ونوعًا من أنواعِ الاستعارةِ، يسمونَه (الاستعارةَ العناديةَ) ، كما بَيَّنَّا أقسامَها عندهم." [2] ."
ثالثًا مثال على ذكر الإمام لمباحث فن البديع:
مثال ذلك ما ذكره الإمام عند تفسيره لقوله تعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: أية 99] حيث قال:
"كان بعض العلماء يقول: إن المكر من الصفات التي لا تطلق إلا على سبيل المشاكلة. وهذه الأية من سورة الأعراف بيّنت أن المكر يُطلق في غير المشاكلة."
والمشاكلة: هذا اللفظ من اصطلاحات علوم البلاغيين، يذكره علماء البلاغة في (البديع المعنوي) يقولون: منه قسم يُسمى (المشاكلة) وبعضهم يقول: إن ما يُسمى (المشاكلة) هو مما يسمونه: بعض علاقات المجاز المرسل. [3]
وهذا الذي يقولون له (المشاكلة) هو: أن يأتي لفظ موضوع في معنى غير معناه، بل موضوع في معنى أجنبي من معناه الأصلي [4] ، إلا أنه وُضع فيه لأجل المشاكلة والمقارنة بينه وبين لفظ آخر مذكور معه، ومن أمثلته عندهم قول الشاعر [5] :
(1) ذكر هذا البيت (وهو من بحر الوافر) من غير عزوه إلى قائله كل من: ابن حيان، مرجع سابق، 1/ 180. السمين الحلبي، مرجع سابق، 1/ 209، النعماني، مرجع سابق،1/ 447.
(2) الشنقيطي، العذب النمير، 1/ 280 - 281.
(3) انظر: السيوطي، شرح عقود الجمان في علم المعاني والبيان، 1/ 110.
(4) انظر: السيوطي، المرجع السابق، 1/ 110.
(5) انظر البيت في: العباسي، عبد الرحيم بن عبد الرحمن، معاهد التنصيص على شواهد التلخيص، موقع الوراق الإلكتروني، 1/ 219، (ترقيم المكتبة الشاملة الإلكترونية) . وهو من بحر الكامل، وقد عزاه إلى أبو القعمق.