فهرس الكتاب

الصفحة 164 من 206

أما القسم الثالث: أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به، ولكن نفي الفارق بينهما مظنون ظنًّا قويًّا مزاحمًا لليقين. ومثل له الإمام بما يلي فقال:

"ومن أمثلته في السنة: ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن التضحية بالعوراء [1] ، فالمنطوق به هنا منع التضحية بالعَوْرَاءِ، والمسكوت عنه مَنْع التضحية بالعمياء التي هي عمياء العينين؛ لأنها أولى بالحكم من المنطوق بها؛ لأن العوراء عميت لها عين واحدة، والعمياء عميت عيناها معًا، فالعمياء مسكوت عنها في الحديث، وهي أولى بالحكم من المنطوق به التي هي العوراء، ونفي الفارق هنا مظنون ظنًّا قويًّا مزاحمًا لليقين .." [2] .

ملاحظة: يحرص هنا الإمام على بيان سبب كون الفارق ظنيًا لاقطعيًا بين العمياء المسكوت عنها في الحديث، وهي أولى بالحكم من المنطوق به وهي العوراء فقال ما نصه:

"ذكر غير واحدٍ من علماء الأصول أن نفي الفارق هنا ظَنِّيٌّ، وإنما قالوا: إنه ظني؛ لأنَّ الغالب على الظن غَلبةَ مُزَاحمَةً لليقين أَنَّ عِلَّة منع التضحية بالعوراء أن العَوَرَ عَيْب ناقصٌ لثمنها وقيمتها وذاتها، وهذه العلة موجودة في العَمْيَاءِ بِلَا خِلَاف فهي مثلها، ولكنْ هُنَالِكَ احْتِمَالٌ ضَعِيفٌ مَرْجُوحٌ هو الذي مَنَعَنَا مِنْ أَنْ نَجْزِمَ باليقين أن علة مَنْعِ التَّضْحِيَةِ بالعوراء أن العور مظنة الهزال؛ لأن العوراء لا تَرَى مِنَ المَرْعَى إلا ما يقابل عينها المُبْصِرة، وما يقابل عينها العوراء لا تراه، فناقصة البصر ناقصة الرَّعْي، ونقص الرعي مَظِنة لنقص السّمَن، وعلى أن العلة هذه فلا تشاركها العمياء؛ لأن العمياء يعلفها"

(1) انظر: سنن الترمذي، أبوبا الأضاحي، باب ما لا يجوز من الأضاحي، 4/ 85، رقم الحديث 1497، وحكم عليه الألباني بالصحة.

(2) الشنقيطي، العذب النمير، 2/ 371.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت