صفات نفسية ثابتة ثبات أوصافها التشريحية أوضحت الكيفية التي تحوِّل بها هذه الأمم
نظمها ولغاتها وفنونها، ثم شرحتُ فيه لماذا يحتمل أن تنفك عرى النفس عند تبدل البيئة
فجأةً.
ولكن يوجد، عدا هذه المجتمعات البشرية المؤلفة من الأمم، مجتمعات بشرية متقلبة
تسمى الجماعات، ولهذه الجماعات التي تمت على يدها أكبر الفتن التاريخية صفات
تختلف عن صفات الأفراد الذين تتألف منهم اختلافًا تامًا، وقد بحثت عن هذه الصفات
وعن كيفية نشوئها في كتاب سميته» روح الجماعات «.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أبصرت بين عوامل التاريخ المهمة عاملًا قويٍّا، أي
المعتقدات، وقد بحثت عن هذه المسألة الصعبة في كتابي الأخير الذي سميته» الآراء
والمعتقدات «فبينت فيه كيف تنشأ المعتقدات وهل تكون عقلية إرادية، كما عُرفت، أو
تكون غير شعورية مستقلة عن كل عقل.
يبقى إيضاح المعتقدات أمرًا متعذرًا إن عُدَّت إرادية عقلية، وقد تمكنت، بعد أن أثبتُّ
أنها غير عقلية في الغالب وغير إرادية على الدوام، من حل المعضلة العظيمة الآتية وهي:
كيف يستصوب أرباب العقول النيرة في كل جيل معتقدات لا يسوِّغها العقل؟
سيظهر حل المعضلات التاريخية التي بحثت فيها منذ سنين كثيرة ظهورًا واضحًا
بعد الآن، فقد توصلت إلى نتيجة دالة على أنه يوجد بجانب المنطق العقلي الذي يربط
الأفكار بعضها ببعض منطق الجماعات والمنطق الديني اللذان يستحوذان في الغالب على
عقولنا ويسيرانِنا.
وبعد أن حققت ذلك علمت أن إدراك كثير من الحوادث التاريخية يظل ممتنعًا عن
إيضاح هذه الحوادث بنور المنطق العقلي القليل التأثير في تكوينها.
وقد اقتضى الوصول إلى القواعد التي لخصناها هنا في بضع صفحات سعيَ سنين
كثيرة، وذلك بعد أن يئست من إتمامها ورجعت غير مرة إلى الجِد في المختبرات التي يثق
الإنسان بأنه يقرب فيها من الحقيقة وينال شيئًا من العلم اليقين.
إن سبر غور الرجال مفيد كالتنقيب في الحوادث المادية، وهذا يجعلني أرجع إلى علم
النفس على الدوام.
ولما ظهر لي أن بعض النتائج التي استنبطتها من مباحثي واسعة المدى نويت
أن أعرضها على بعض الحوادث، وهكذا تناولت درس روح الثورات، ولا سيما الثورة
الفرنسية.
وكلما كنت أتوغل في تحليل هذه الثورة الكبرى كانت أكثر الآراء التي اقتبستها من
الكتب، وكنت أظنها متينة، تنهار انهيارًا متتابعًا.
يجب، لإيضاح هذا الدور، ألَّا يعد حادثًا واحدًا كما فعل كثير من المؤرخين، فهو
مؤلف من حوادث مستقلة وقعت في آن واحد، وقد نشأ عن كل واحدة منها أمور وقعت
حسبما تقتضيه سنن النفس، ويظهر أن ممثلي تلك الفاجعة الكبرى ساروا كمثلي الروايات
التي وضعت سابقًا، فقال كل واحد منهم ما يجب أن يقول، وعمل ما يجب أن يعمل.
لا شك في اختلاف أولئك الممثلين الثوريين عن ممثلي الرواية المكتوبة لكونهم لم
يدرسوا أدوارهم، ولكن قوًى خفية كانت تمليها عليهم، فكانوا يقومون بها كأنهم من
الحافظين لها، وقد أوجب اتِّباعهم منطقًا لم يدركوا من أمره شيئًا اتباعًا مقدرًا، تعجُّبَهم
مثلنا من الحوادث التي كانوا أبطالها، فالقوى الخفية التي كانت تسيرهم لم تخطر
ببالهم قط، ولم يكن أمر شدتهم وضعفهم في يدهم، فهم، وإن كانوا يتكلمون باسم
العقل ويدَّعون أنهم مسيرون به، لم يكن العقل رائدهم بالحقيقة، قال بيوفارين:
كنا لا نريد أن نأتي ما نلام عليه من الأفعال، ولكن الأزمة كان تدفعنا إليه.
ولا يستدلنَّ القارئ بهذا الكلام على أن الحوادث الثورية خاضعة لمقادير مهيمنة
مطلقة، فالمطلع على ما وضعناه من الكتب يعلم أننا نعترف بما لأرباب التأثير والنفوذ من
القدرة على إبطال عمل المقادير، غير أنهم لا يقدرون إلا على إبطال شيء قليل منها، وكثيرًا
ما يعجزون عن وقف الحوادث التي لم يتسلطوا على سيرها منذ البُداءة، فالعالِم الذي
يقدر على استئصال المكروبات قبل فعلها يعترف بعجزه عن ذلك عند استفحال المرض.