فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 143

استأنف المديرون حروب الفتح؛ لتحويل الأنظار، وإلهاء الجند، ونهب الأموال من البلدان

المجاورة، فاستغرقت هذه الحروب أيامهم كلها، وقد رجعت الجيوش منها، ولا سيما من

إيطالية، ظافرة ذات مغانم كثيرة.

وظهر بعض سكان البلاد المفتتحة بمظهر الساذج البسيط فظنوا أن فرنسة لم

تقم بالفتح إلا لمنفعتهم، ولكنهم لم يلبثوا أن رأوا أن الفتح أعقبته ضرائب ثقيلة ونهب

للكنائس وسلب لبيوت المال، وأدت هذه السياسة إلى تحالف دولي جديد ضد فرنسة دام

حتى سنة 1801

قضى المديرون، الذين لم يبالوا بأمر البلاد، ولم يكونوا أهلًا لتنظيمها، أوقاتهم في

مكافحة المؤامرات واتخاذ الطرق التي يظلون بها قابضين على زمام السلطة، ولما اشتدت

الفوضى وصار الناس يتطلبون يدًا قوية قادرة على توطيد أركان النظام أحست الأمة -

ومنها المديرون أنفسهم - أن النظام الجمهوري قَربَ أجله.

ورأى بعض الناس إعادة الملكية، ورأى غيرهم إعادة نظام الهول، ورأي آخرون

تفويض الأمر إلى قائد، ولم يخش تبديل النظام سوى المستولين على الأموال الوطنية.

أخذ استياءُ الشعب من حكومة الديركتوار يزيد، ولما جُدد انتخاب ثلث المجلس

النيابي في شهر مارس سنة 1797 خرج أكثر النواب الجدد من المعارضين لها، فأقلق

ذلك المديرين؛ فأبطلوا انتخابات تسع وأربعين مديرية، وطردوا من النواب الجدد بعد

نقض انتخابهم 154 نائبًا، وحكموا على 53 منهم بالنفي، ومن بين هؤلاء المنفيين أشهر

رجال الثورة الفرنسية كبورتاليس وكارنو وترونسون وكودراي.

وحكمت بعض المجالس الحربية - من غير روية - على 160 رجلًا بالقتل، ونفت

230 رجلًا إلى الكويان فمات نصفهم في وقت قصير، ولم تلبث أن طردت المهاجرين

والكهنة الذين عادوا إلى فرنسة، ولم يكتف المديرون بهذا الاستبداد الذي دهش منه

المعتدلون، بل أتوا بعده عملًا آخر، وهو أنهم لما رأوا زيادة عدد نواب اليعاقبة في

الانتخابات الجديدة نقضوا انتخاب ستين عضوًا يعقوبيٍّا.

وما تقدم يدلنا على مزاج أعضاء حكومة الديركتوار الاستبدادي، ويظهر هذا المزاج

بأجلى من ذلك عند الاطلاع على تفاصيل تدابيرهم:

لم يكن هؤلاء السادة في حبهم سفك الدماء أقل من وحوش دور الهول، وهم، وإن

لم ينصبوا المقصلة نصبًا مستمرٍّا مثلهم، استبدلوا بها نفيًا قل أن يبقى من يكون عرضة

له على قيد الحياة، فكان المنفيون يساقون إلى روشفور في أقفاص من حديد معرضين

لتقلبات الجو ثم يكدَّسون في السفن.

ولما اطلع المديرون على النهضة الكاثوليكية، وخيل إليهم أن الكهنة يأتمرون بهم

نفوا في سنة واحدة 1448 قسيسًا، وقتلوا عددًا كبيرًا منهم رميًا بالرصاص؛ فأحيوا بذلك

دور الهول.

وقد أصاب ظلم حكومة الديركتوار فروع الإدارة، ولا سيما المالية، فلما احتاجت

هذه الحكومة إلى ستمئة مليون فرنك حملت النواب على الموافقة على ضريبة زائدة لم

ترجع عليها إلا باثني عشر مليون فرنك، ثم أعادة الكرة فأمرت بعقد قرض إجباري

قدره مئة مليون فرنك، فنشأ عن ذلك إغلاق المصانع ووقف الأشغال وتسريح العمال،

ولم تنل من هذا القرض، الذي أثقل كاهل الناس، سوى أربعين مليون فرنك، ثم جعلت

المجلس يوافق على قانون الرهائن الذي يأمر باعتبار بعض الرجال في كل كورة مسؤولين

عما يقع فيها من الجرائم.

ولا يخفى ما ينشأ عن مثل ذلك النِّظام من الغيظ والأحقاد، ففي سنة 1799 رفعت

أربع عشرة مديرية راية العصيان، واستعدت ست وأربعون مديرية للتمرد، ولو طال

عمر حكومة الديركتوار لانفرط عقد المجتمع الفرنسي انفراطًا تامٍّا.

وهكذا تدرجت فرنسة إلى الانحلال، فتداعت فيها أركان الإدارة والمالية، وأصبح

دخل بيت مالها تافهًا، وصار ضباطها ودائنوها لا يصلون إلى حقوقهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت