كان دانتون وروبسپير أكثر رجال الثورة الفرنسية نفوذًا، وكان دانتون خطيب أندية
محرضًا ذا صولة مهيجًا للشعب، وكانت نتائج خطبه القاسية تحزنه في الغالب، وكانت
درجته رفيعة أيام كان خصمه في المستقبل - روبسپير - في الصف الأخير، نعم، جاء
وقت أصبح دانتون فيه روح الثورة الفرنسية، ولكن بما أنه كان عاطلًا من خلق العناد
والثبات فقد تغلب تعصب روبسپير المستمر على جهوده المتقطعة فساقه إلى المقصلة.
ولا يزال أمر روبسپير غامضًا، ومن الصعب اكتناه نفوذه الذي ملك به حق الحياة
وحق الموت.
لا جرم أن أمر روبسپير لا يكتنه بقول تاين إنه معجَب بنفسه غارق في بحار
المجردات، أو بقول ميشله إن مبادئه علة نجاحه، أو بقول معاصره ويليم»: إن سر
قبضه على زمام الحكم هو اعتماده على أهل النقائص ومقترفي الجرائم. «
ويستحيل أن يكون نجاحه قد نشأ عن فصاحته، فقد كان يقرأ بصعوبة خطبه
التي لم تكن غير كلمات مجردة باردة مبهمة، وكان في مجلس العهد خطباء يفوقونه
بلاغة كدانتون والجيرونديين الذين أبادهم جميعًا.
إذن، ليس عندنا إيضاح كاشف لسلطة هذا الحاكم المطلق الذي لم يكن له نفوذ
في المجلس الوطني فأصبح بالتدريج سيد اليعاقبة ومجلس العهد وأهم رجال فرنسة،
ولا شك في إعانة الأحوال له كثيرًا، فقد عده الناس سيدًا لا غُنية لهم عنه، وهذا هو سبب
ارتقائه السريع، وأظنه كان ذا سحر شخصي لا عهد لنا به اليوم، وبهذا يمكن إيضاح
ما ناله من النجاح عند النساء، فكان المجلس أيام إلقائه خطبه» يكتظ بالنساء، وكان
عدد اللائي يجلسن على مقاعد الاستماع لا يقل عن سبعمئة، وكنَّ يصفقن له هائجات
النفس، وعندما كان يخاطب اليعاقبة كان شهيق الحنو والهُتاف يسمع من كل جانب،
وكان الضوضاء يهز أركان ردهة الاجتماع. «
وقد أرسلت إليه أرملة دوشالابر الفتاة التي كان دخلها السنوي أربعين ألف فرنك
ولم يكن خلُق روبسپير سبب ميل الناس إليه، فقد كان سوداوي المزاج ضعيف
الذكاء عاجزًا عن فهم الحقائق غائصًا في بحر من المجردات ماكرًا مداجيًا معجبًا بنفسه
إعجابًا لم يفارقه طول حياته، معتقدًا أن لله أرسله؛ ليوطد دعائم الفضيلة، وأنه هو
المسيح الذي أرسله لله لإصلاح كل شيء.
وكان يزعُم أنه من أرباب البيان، فكان ينقح خطبه طويلًا، وقد أدى حسده الخطباء
والأدباء إلى قتلهم، وكان يستخف بزملائه، فلما خلا باراس إليه ساعة تزينه بصق نحوه
كأنه لم يكن حاضرًا، ولم يجبه عن أسئلته تكبرًا، ولم يكن ازدراؤه أبناء الطبقة الوسطى
والنواب أقل من ذلك، والجمهور وحده هو الذي كان صاحب الحظوة عنده، قال: «لا
مناص من الخضوع للجمهور عندما يتصرف في أمور السلطة، فكل ما يفعله الجمهور
فضيلة وحقيقة، وليس فيه ما يعد ظلمًا أو ضلالًا أو جرمًا.»
وكان روبسپير مولعًا بالاضطهاد، ولم يكن قيامه بأمر الرسالة علة قطعه كثيرًا من
الرؤوس، بل كان ذلك ينشأ أيضًا عن اعتقاده أنه محاط بالأعداء والمؤتمرين، قال مسيو
سوريل: «كان خوفُه من زملائه أشد كثيرًا من خوفهم منه.»
ونعُد حكمَه المطلق الذي استمر خمسة أشهر مثالًا واضحًا لسلطان بعض الزعماء،
فإذا أهلك جبار قابض على زمام جيش أيٍّا شاء فليس في ذلك ما يعسر فهمه، وأما
إذا استطاع رجل وحده أن يرسل عددًا كبيرًا من أقرانه إلى المقصلة فهذا أمر لا يسهل
إيضاحه، وعلى نسبة إرسال روبسپير أشهر النواب، ككاميل ديمولان وإيبرت ودانتون
وغيرهم، إلى المحكمة الثورية، ومنها إلى المقصلة، كانت قدرته تعظُم، وقد سقط أكثر
الجيرونديين صيتًا أمامه، ثم اختلف والجمعية الثورية فقصل رقاب رؤسائها، وأقام
مقامها جمعية ثورية جديدة منقادة لأوامره.
وأراد روبسپير أن يتخلص ممن لا يروقونه بسرعة فجعل المجلس يوافق على قانون
شهر بريريال (الشهر التاسع من السنة الجمهورية) الذي يسمح بقتل الناس بالشبهات،