(2) تأثير فلاسفة القرن الثامن عشر في تكوين الثورة الفرنسية، نفورهم من
الديموقراطية
يجب ألَّا يُعدَّ الفلاسفة، الذين ظُن أنهم نفخوا في الناس روح الثورة، أشياعًا للحكومة
الشعبية، وإن قاتلوا بعض الأوهام والعادات السيئة، فقد كانوا يمقتون الديموقراطية
التي بحثوا عن شأنها في تاريخ اليونان؛ لعلمهم ما تجر وراءها من التخريب والاضطهاد،
وهي التي عرِّفت في زمن أرسطو»: بأنها حكومة تناط فيها القوانين وكل أمر بعوام
يعتبرون أنفسهم من الجبابرة ويسيرون كما يريد بعض المشاغبين. «
وإليك ما قاله بطرس بيل، وهو الذي يعتبر بحق سَلَفًا ل?ولتير، عن الحكومة
الشعبية في أثينة:
عندما يقرأ الإنسان تاريخ مجالس أثينة وانقسام أحزابها وفتنها واضطهاد
أشرافها وقتلِهم ونفيهم، كما كان يريد أحد الخطباء المشاغبين، يحكم بأن
ذلك الشعب الفخور كان، بالحقيقة، عبدًا لفئة من الثرثارين المحتالين الذين
كانوا يقلبونه كأنه ريشة في مهب الريح، ولو بُحِث في تاريخ مكدونية الملكية
ما وُجدت فيه أمثلة ظلم واستبداد كما وجد في أثينة.
ولم يكن رأي مونتسكيو في الديموقراطية أقل من ذلك، فقد دل بعد أن وصف
أشكال الحكومة الثلاثة، الجمهورية والملكية والمستبدة، على ما تؤول إليه الحكومة
الشعبية بالكلمات الآتية، وهي:
كان الناس أحرارًا في ظل القوانين فصاروا يرون الحرية في مخالفة القوانين،
وأصبحوا يُسَمُّون ما هو حكمة سخافة وما هو مبدأ عُسرًا، وكان ما يدخل
بيت المال يجمع من الأفراد فأصبح بيت المال ملكًا للأفراد، فالجمهورية إذن
ليست سوى هيئة مستمدة قوتها من قوة بعض الناس.
يظهر في الحكومة الشعبية - أي الجمهورية - جبابرة صغار فيهم ما
في الجبَّار الكبير من النقائض، ومتى أصبح أمرُهم لا يطاق قبض على زمام
الحكم جبَّار واحد فخسر الشعب كل شيء.
لذلك وجب اجتناب ما تجر إليه الديموقراطية من المغالاة في المساواة
المؤدية إلى الحكم المطلق فإلى غزو الأجنبي للبلاد.
والحكومة الإنكليزية الدستورية المانعة للملكية من التحول إلى حكومة مستبدة هي
مَثَل مونتسكيو الأعلى، غير أن تأثير هذا الفيلسوف في الثورة الفرنسية كان ضعيفًا جدٍّا.
وأما واضعو دائرة المعارف فلم يمارسوا السياسة قط، وربما استثنينا منهم أولباك
الذي كان، مثل ?ولتير وديدرو، ملكيٍّا متمذهبًا بمذهب الحرية، فهؤلاء الثلاثة الذين كانوا
يدافعون عن الحرية الشخصية على الخصوص ويقاتلون عدوة الفلاسفة، الكنيسة، لم
يكونوا اشتراكيين أو ديموقراطيين، ولهذا السبب لم تنتفع الثورة الفرنسية بشيء من
مبادئهم.
كان فولتير قليل التشيع للديموقراطية، فقد قال:
أرى الديموقراطية لا تلائم إلَّا بلادًا صغيرة، فالبلاد الصغيرة التي تتمتع
بالحكم الديموقراطي - وإن وقع فيها كثير من الزلات، كما في أديار الرهبان
-لا تقع فيها ملاحم كملحمة سان بارتلمي، ولا مذابح كمذابح إيرلندة
وصقلية ومحكمة التفتيش، ولا يحكم فيها بالأشغال الشاقة على من يغترف
من البحر ماء لا يؤدي ثمنه، وتكون تلك الجمهورية غير ذلك إذا تألفت من
الشياطين في ناحية كبيرة من نواحي الجحيم.
إذن، كانت أفكار هؤلاء الذين ظُنَّ أنهم هيأوا الثورة الفرنسية قليلةَ الهدم، ومن
الصعب أن يعزى إليهم تأثير كبير في سيرها.
ويمكننا أن نشك في ميول روسو الديموقراطية، فهو يرى أن خططه في تجديد
المجتمع على أساس السيادة الشعبية لا تلائم غير عدد قليل من البلدان، وعندما طلب
منه البولونيون أن يرسم لهم دستورًا ديموقراطيٍّا نصحهم بأن ينتخبوا ملكًا وراثيٍّا.