فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 143

أخذ مجلس النواب يقول ويفعل قول الآمر الناهي وفعله منذ البداءة، ثم ادَّعى أن وضع

الضرائب من خصائصه، فاعتدى بذلك على حقوق الملك.

وقد كانت مقاومة لويس السادس عشر ضعيفة، فاكتفى بإغلاق ردهة مجلس

النواب، فاجتمع النواب في ردهة (جودوپوم) حيث أقسموا أنهم لا يتفرقون قبل أن يسنوا

دستورًا للمملكة، ثم انضم إليهم أكثر نواب الإكليروس، وقد نقض الملك قرار المجلس

فأمر النواب بالانصراف، وعندما دعا رئيس الحجاب المركيز (دو دروبريزي) النواب إلى

العمل بأمر الملك صرح رئيس المجلس،» بأن الأمة وهي مجتمعة لا تتلقى أمرًا من أحد «

وخاطب ميرابو رسول الملك قائلًا»: إن المجلس الذي اجتمع بأمر الأمة لا تفضه إلا قوة

الحراب «حينئذ أذعن الملك، وفي اليوم التاسع من يونيه سمى النواب مجلسهم المجلس

التأسيسي، وهكذا اعترف الملك بسلطة جديدة كانت مجهولة في الماضي، أي بسلطة الأمة

التي يمثلها نوابها، فطُويت بذلك صحيفة الملكية المطلقة.

ولما أحس لويس السادس عشر أنه في خطر دائم أقام في أطراف فرساي كتائب

من مرتزقة الأجانب، فطلب إليه المجلس أن يسرحها، فامتنع وعزل نيكر، وأقام في مكانه

المرشال دوبروغلي المشتهر بحزمه، وعند ذلك قام كاميل ديمولان وغيره من الخطباء

يعظون الجماعة ويدعونها إلى الدفاع عن الحرية، ثم قرعوا النواقيس تهييجًا للناس،

وجنَّدوا 12000 جندي، واستولوا على مستودع البندقيات والمدافع، وساقوا عصابات

مسلحة في 14 من يوليه إلى الباستيل فسلم هذا الحصن بعد دفاع استمر بضع ساعات.

كان الباستيل، الذي هو سجن كثير من ضحايا الظلم، رمزَ الاستبداد الملكي، ولكن

لم يوجد ما يجعل الشعب الذي هدمه يتألم منه، إذ لم يعتقل فيه سوى الأشراف، واستمر

تأثير الاستيلاء على قلعة الباستيل حتى اليوم، فإليك ما قاله المؤرخ الكبير مسيو رانبو:

إن الاستيلاء على الباستيل حادث عظيم، لا في تاريخ فرنسة وحدها، بل في

تاريخ أوربة كلها، وقد فتح دورًا جديدًا في تاريخ العالم.

في هذا القول البسيط شيء من المبالغة، فقيمة ذلك الحادث أنه أعطى الشعب، أول

مرة، مثالًا واضحًا على وهن سلطة الملك التي كانت مخيفة، ومتى تزلزل مبدأ اُلسلطة

انحل سريعًا، وما الشيء الذي لا يطلب من الملك العاجز عن الدفاع عن حصنه الخاص

حيال حَملات الشعب؟ هكذا أصبح السيد، ذو الحول والقوة في الماضي، لا يقدر على شيء.

وقد أخذت علامات التمرد تظهر على مرتزقة الأجانب بعد الاستيلاء على الباستيل،

فرضي لويس السادس عشر بتسريحهم، ثم استدعى نيكر ثانية وذهب إلى دار البلدية

فاستصوب الأمور التي وقعت، واستحسن الراية الجديدة ذات الألوان الثلاثة، الأزرق

والأبيض والأحمر، التي أتى بها قائد الحرس الوطني لافايت، والتي كانت تجمع بين راية

الملك وراية مدينة باريس.

ويدُلنا الاستيلاء على الباستيل على الوقت الذي شرع الشعب يقبض فيه على ناصية

الحكم، فقد أخذت مداخلة الشعب المسلح تظهر بعد ذلك الاستيلاء في مذاكرات المجالس

الثورية.

وقد عجب كثير من مؤرخي الثورة الفرنسية لهذه المداخلة وحدَّثوا عنها باحترام،

فلو بحث هؤلاء بحثًا سطحيٍّا، على الأقل، عن روح الجماعات لرأوا أن الشعب لم يفعل

غير ما أراده بعض الزعماء، وأن من الخطأ قوَلهم: إن الشعب استولى على الباستيل،

وهجم على التويلري، واحتل مجلس العهد إلخ. فالقول الحق هو: أن بعض الزعماء

جمعوا - بواسطة الأندية - عصابات من الشعب ساقوها إلى الباستيل والتويلري إلخ،

وأن هذه الجماعات نفسها هي التي هجمت أيام الثورة الفرنسية على أشد الأحزاب

اختلافًا ودافعت عنها على حسب أهواء الزعماء، ولم يكن للجماعات غير رأي رؤسائها.

وعَقَبَ الاستيلاءَ على الباستيل تخريبُ حصون أخرى بفعل التلقين، فاعتبر الفلاحون

كثيرًا من القصور باستيلات صغيرة وطفقوا يحرقونها مقتدين بسكان باريس، وكان

غضبهم يشتد كلما وجدوا في تلك القصور صكوكًا إقطاعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت