يمكن رد جميع المبادئ التي قلبت العالم إلى ناموسين: النشوء البطيء والتكيف على
حسب اختلاف النفوس.
ويشبه المذهب ذوات الحياة، فهو لا يعيش إلا إذا تحول، وبما أن الكتب لا تذكر
هذا التحول فيكون ما تقرره هو طور الماضي، أي صورة الموت هي التي ترسم فيها، لا
صورة الحياة.
وقد أثبتُّ في كتاب آخر كيف تتحول النظم واللغات والفنون عندما تنتقل من أمة
إلى أخرى، وبينت درجة اختلاف سنن هذه التحولات عما يرد في الكتب، والذي يجعلني
أشير إلى ذلك الآن هو أنني أريد أن أوضح علة عدم مبالاتي في البحث عن الديموقراطية
بما يجئ في مذاهبها من النصوص، وعلة كوني أقتصر على التنقيب عن عناصرها النفسية
وعن تأثيرها في طبقات الناس الذين ينتحلونها.
يتحول المبدأ الأول بسرعة عند ذوي النفسيات المختلفة، ولا يلبث هذا المبدأ أن
يصبح عُنوان أمور كثيرة التباين، ويطابق هذا الرأي المعتقدات الدينية والسياسية،
فعندما يبحث في الديموقراطية مثلًا يجب تحقيق مدلول هذه الكلمة عند مختلف الأمم،
وتحقيق الفرق في الأمة الواحدة بين ديموقراطية الكتاب والديموقراطية الشعبية.
ويسهُل علينا، عند وضعنا هذه الملاحظة موضع الاعتبار، أن نحقق أن ما يرد في
الكتب والجرائد من الأفكار الديموقراطية لم يكن غير نظريات خالصة يضعها الكتَّاب
ولا يعلم الشعب من أمرها شيئًا ولا يفيده العمل بها، فإذا حاز العامل نظريٍّا حق اختراق
الحواجز التي تفصله عن الطبقات القائدة بالمسابقات والفحوص فإن أمل وصوله إلى
ذلك عمليٍّا ضعيف جدٍّا.
وليس لديموقراطية الكتاب غاية سوى إيجاد فريق من الناس تتألف منهم طبقة
الأمة القائدة، وإننا نأسف على تأدية هذه الديموقراطية إلى إقامة حقوق مطلقة تخص
جماعة مستبدة قصيرة النظر مقام ما للملوك من الحقوق الإلهية، فالحرية لا تكون
بإحلال استبداد محل استبداد.
وأما الديموقراطية الشعبية فلا تسعى إلى إنشاء فريق من القادة، وهي - لشدة
اهتمامها بالمساواة وتحسين أحوال العمال - ترفض مبدأ الإخاء ولا تبالي بالحرية، ولا
تتصور شكلًا للحكومات غير الشكل الاستبدادي، وذلك ما يبدو لنا من هُتافها للحكومات
المستبدة التي ظهرت منذ نشوب الثورة الفرنسية، ومن الطريقة القهرية التي تسير
عليها نقابات العمال.
والفرق النفسي بين ديموقراطية العمال وديموقراطية الكتاب ليس بالأمر الخفي؛
فالفريقان لا يتكلمان لغة واحدة، ويصرح رجال النقابات بأن الاتفاق لا يمكن أن
يسودهما.
حقٍّا إن الاتفاق بينهما لا يمكن أن يكون، وهذا هو السبب في عدم ظهور مفكرين
عظام يدافعون عن الديموقراطية الشعبية منذ زمن أفلاطون.