ظهر المؤرخون الذين أشرنا إلى أفكارهم في هذا الفصل بمظهر الجازم البات لحصر
أنفسهم في دائرة المعتقد وعدم نفوذهم دائرة العلم والمعرفة، فالكاتب الملكي منهم شديد
الحقد على الثورة الفرنسية، والمتمذهب بمذهب الحرية كثير التشيع لها، واليوم نشاهد
سعيًا إلى درس الثورة الفرنسية كإحدى الحوادث العلمية التي لا يكون لآراء المؤلف
الخاصة ومعتقداته الشخصية في درسها سوى تأثير قليل لا يشعر به القارئ.
لم يأت هذا الزمن بعد، ولم نرَ سوى طلوع فجر الشك الذي يتقدم ذلك، فقد أخذ
كثير من الكتاب يجتنبون إبداء آراء قاطعة في مؤلفاتهم.
سئل مسيو هانوتو - بعد أن أثنى على الثورة الفرنسية - عن نتائجها بالنسبة
إلى ثمنها الغالي فقال: «سيتردد التاريخ كثيرًا قبل أن يحكم في ذلك» ، وأبدى مسيو مادلن
في كتابه الذي بحث فيه عن الثورة الفرنسية ترددًا مثل ذلك، فقال: «لا أستطيع إعطاء
حكم قاطع في حادثة معقدة كالثورة الفرنسية، فأرى أن عللها وأعمالها ونتائجها أمور
تقتضي بحثًا كبيرًا.»
ويظهر أيضًا نشوء الآراء في الثورة الفرنسية من مطالعة ما كتبه في الوقت الحاضر
حماتها الرسميون، فبعد أن كانوا يقولون إن ما حدث فيها من المظالم كان للدفاع أخذوا
يدافعون عنها طالبين أحكامًا مخففة عليها، جاء في كتاب تاريخ فرنسة الذي ألَّفه أولار
ودوبيدور حديثًا ليدرَّس في المدارس: «نعم انهمرت الدماء في الثورة الفرنسية واقتُرِفت
فيها مظالم وجرائم منكَرة غير نافعة للدفاع الوطني، ولكن النفوس استولهت في هذه
الزوبعة، فكان رجال الوطنية الذين حفت بهم الأخطار يقتلون الناس والسخط آخذ
منهم كل مأخذ.»
وأما الأجانب فأحكامهم على الثورة الفرنسية شديدة، ولا عجب، فقد أذاقت أوربة
-ولا سيما ألمانيا - أنواع المحن، قال مسيو فاغيه يخبرنا برأي الألمان: «لنقل رابطو
الجأش وطنيون، ومن شروط الوطنية أن يبلِّغ الإنسان أمته حقيقة الأمر، إن ألمانية
عدت فرنسة في الماضي أمة اضطهدتها وازدرتها وأثخنت فيها ونهبتها مدة خمس عشرة
سنة باسم الحرية والإخاء، وهي تعتبر فرنسة في الوقت الحاضر أمة تقيم بحجة هاتين
الكلمتين ديموقراطية مستبدة ظالمة مزعجة مخربة غير صالحة ليقتدي بها أحد، هذا
كل ما تنظر به ألمانية إلى فرنسة وهذا كل ما تشير إليه جرائدها وكتبها.»
وسوف يَعُدُّ كتاب المستقبل الثورة الفرنسية حادثًا مؤثرًا ذا عِبَر مهما كانت قيمة
الأحكام عليها، فحكومة أدى حبها لسفك الدماء إلى قطع رؤوس شيوخ جاوزوا حد
الثمانين ورؤوس كثير من الأطفال والفتيات، وحكومة مع تخريبها فرنسة قدَرَت على
دفع غارة أوربة المدججة بالسلاح، وأميرة من بيت الملك في النمسة قُطع رأسها بعد أن
كانت ملكة فرنسة، وأميرة من أقربائها قامت في مكانها بعد أن تزوجت إمبراطورًا كان
ضابطًا، كلُّها أمور لم يروِ التاريخ مثلها، ولعلماء النفس في تلك القصة التي لم يقتُلوها
تمحيصًا فوائد كثيرة، فبها يكتشفون أن علم النفس لا يتقدم إلَّا إذا عدَلوا عن النظريات
الوهمية، وأخذوا يبحثون في الحوادث بحثًا حقيقيٍّا.