فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 143

إن ذكرى النائب العام في المحكمة الثورية، فوكيه تنفيل، من أشد الذكريات شؤمًا، وقد

أوردتُ غير مرة ذكر هذا النائب، الذي اشتهر في بدء الأمر بحلمه ثم أصبح سفَّاكًا تشمئز

منه النفوس، لأبين ما يطرأ على بعض الأخلاق من التحولات أيام الثورة، فقد كان فوكيه

تنفيل أيام سقوط الملكية فقيرًا منتظرًا كل شيء من نشوب ثورة اجتماعية ليس عنده

ما يخسره فيها، فلما جاء مجلس العهد قلده مقاليد أموره، فأصبح في يده مصير ألفي

متهم، منهم الملكة ماري أنتوانيت والجيرونديون ودانتون وإيبرت وغيرهم، وكان يقصل

رقاب جميع المتهمين المرفوعة أسماؤهم إليه، وعندما تزول سلطة أحد حُماته السابقين،

ككاميل ديمولان أو دانتون أو غيرهما، يطلب قتلهم من غير تردد.

ولم يكن شأن فوكيه تنفيل في الأوقات العادية أكبر من شأن قاضٍ هادئ مجهول

أمره، فمن حسنات المجتمع المنظم تقييده لأمثاله الذين لا يردعهم سوى الزواجر

الاجتماعية.

قُطع رأس فوكيه تنفيل وهو لا يعلم علة عقابه؛ لأنه لم يكن ما يسوغه من الوجهة

الثورية، وهل فعل سوى تنفيذ أوامر رؤسائه بنشاط؟ لا يجوز تشبيهه بأولئك النواب

الذين أرسلوا إلى الولايات ولم تكن مراقبتهم في الإمكان، فقد فحص مفوضو مجلس

العهد جميع أعماله واستصوبوها حتى اليوم الأخير، ولو لم يشجعه رؤساؤه على قسوته

وعلى طريقته السريعة في الحكم على السجناء ما استمرت سلطته، وبقضاء مجلس العهد

على فوكيه تنفيل قضى على دوره الرهيب.

وبجانب فوكيه تنفيل نذكر دومًا الذي أظهر قسوة عظيمة كانت تصدر عن خوفه

الشديد، فقد كان دومًا لا يخرج إلا مُسلَّحًا، وكان يمتنع عن مواجهة الناس، ولا يكلم

الزائرين إلا من كوَّة، وكان يسيء الظن بالناس، ومنهم زوجته التي دفعه سوء ظنه بها

إلى سجنها ثم إلى قتلها.

ومن الذين ظهروا في دور العهد واشتهروا بهمجيتهم نذكر بيوفارين الذي هو

عنوان الوحشية الحيوانية.

«فقد كان يظل في ساعات الغضب والضيق هادئًا قائمًا بعمله الرهيب، وكان يحضر

رسميٍّا مذابح سجن الأبيئي ويهنئ الجزارين، ويجزل لهم الأجر، ثم يدخل بيته كأنه

راجع من النزهة، وكان - وهو رئيس النادي اليعقوبي ورئيس مجلس العهد وعضو

في لجنة السلام العامة - يجر الجيرونديين والملكة وسيده السابق دانتون إلى المقصلة،

وقد استصوب ضرب مدينة ليون بالمدافع وإغراق مدينة نانت، وهو الذي رتب لجنة

أورانج الظالمة، وكان يحرِّض فوكيه تنفيل على أعماله، وكثيرًا ما كان يجيء اسمه على

رأس مراسيم أحكام الموت التي كان يمضيها قبل زملائه غير راحم أو متأثر أو هائج،

وكان يسير في طريقه عندما كان هؤلاء يترددون أو يتمهلون متفوهًا بكلمات ضخمة

هازٍّا ذؤابته كالأسد، ولما أحدق الخطر بروبسپير وسان جوست وكوتون تركهم وانضم

إلى الحزب المعارض ليضرب رقابهم، ولكن لماذا؟ إن المرء ليحار في الجواب، وهو الذي

لم يطمع بشيء ولم يبتغ مالًا ولا سلطانًا.»

أظن أن الجواب ليس صعبًا، فالعطش إلى القتل عند بعض المجرمين يوضح لنا سر

سلوك بيوفارين، وأكثر المجرمين يقترفون القتل للقتل نفسه، وهم، كالصيادين، يُصمون

الصيد قضاءً لما في نفوسهم من شهوة الإتلاف الغريزية، والخوف من الشرطي والمقصلة

يردعهم، وهم المفطورون على تلك الغرائز السفاكة، عن اقتراف الجرائم في الأزمنة

العادية، ولكنهم عندما يحل الوقت الذي يطلقون فيه أعنتهم يتأخرون عن الإجرام.

وأما نفسية مارا فأكثر غموضًا، لا لأنه كان فيه - عدا ميله إلى القتل - عوامل

أخرى كعزة نفسه المكلومة وطمعه وعقائده إلخ؛ بل لأنه كان ولوعًا بالمراتب السنية ولعًا

بلغ حدَّ الجنون، وكان متعصبًا لبعض المبادئ تعصبًا جاوز حدَّ الجمود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت