فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 143

ذكرت غير مرة أن عدم التسامح يلازم المعتقدات القوية، والثورات الدينية والسياسية

الدالة على ذلك كثيرة، وقد أثبتت هذه الثورات أن عدم التسامح بين أنصار المعتقدات

المتقاربة يكون أشد مما بين أنصار المعتقدات المتباعدة كالإسلام والنصرانية مثلًا، فإذا

نظرنا إلى المعتقدات التي شطرت فرنسة زمنًا طويلًا رأيناها لا تختلف إلا في الأمور

الثانوية، فالكوثوليكي والپروتستاني إلههما واحد ولا يختلفان إلا في كيفية عبادته، ولو

كان للعقل شأن في صوغ معتقدهما لأراهما أن لله لا يبالي بالصورة التي يعبد عليها.

ولما كان العقل غير مؤثر في دماغ المؤمنين استمر البروتستان والكاثوليك على

الاقتتال بقسوة، وما سعى فيه الملوك للتأليف بين الفرقتين ذهب أدراج الرياح، وقد

ذهب عن بال كاترينا دومديسيس أن التسامح - وإن أمكن بين الأفراد - لا يكون بين

الجماعات، فعندما جمعت علماء اللاهوت خاضوا غمار المناقشة والشتم من غير أن يحيد

واحد منهم عن عقيدته، ثم رأت، سنة 1562، أن نشرها مرسومًا تمنح فيه الپروتستان

حق الاجتماع والعبادة جهرًا أقرب إلى النجاح.

وهذا التسامح، الحسن نظريٍّا والسيئ عمليٍّا، لم ينشأ عنه غير إيغار صدور

رجال الحزبين، فاضطهد الپروتستان الأقوياء في جنوب فرنسة الكاثوليك لكي يترك

هؤلاء عقيدتهم، وكانوا يذبحونهم وينهبون كنائسهم عندما يحبط عملهم، وقد أصاب

الپروتستانَ نظيرُ ذلك في الأمكنة التي كانت الأكثرية فيها للكاثوليك.

وقد نشأ عن مثل هذه الأحقاد حروب دينية ضرَّجت فرنسة بالدم زمنًا طويلًا،

فمدنها دُمِّرت والدماء سُفِكت، ولسرعان ما اتصف هذا النزاع بالقسوة الوحشية الخاصة

بالوقائع الدينية والسياسية.

أبُيد الشيوخ والنساء والأطفال، وصار رئيس پرلمان إكس البارون دوبيد مثالًا

يقتدى به لقتله في عشرة أيام ثلاثة آلاف شخص وتدميره ثلاث مدن واثنتين وعشرين

قرية، وكان مونلوك يطرح أتباع كال?ن في الآبار حتى تمتلئ، ولم يفعل الپروتستان

أقل من ذلك فكانوا يعتدون على الكنائس الكاثوليكية ويتطاولون على القبور والهياكل

كتطاول رجال العهد من بعدهم على قبور الملوك.

أخذت تلك الحوادث تفكك عرى فرنسة، فأصبحت في أواخر عهد هنري الثالث

جمهوريات صغيرة مستقلة متشاكسة، وقد تضاءلت سلطة الملوك فكانت بلْوَا تملي على

هنري الثالث الذي فرَّ من عاصمته مطاليبها، وقد شاهد السائح ليبُومانُو، سنة 1577،

في فرنسة مدنًا كبيرة، مثل أورليان وبلوَا وتور وپواتيه، عمَّها الخراب، وكنائس متداعية

وقبورًا مهدمة.

والواقعة التي تركت من بين وقائع ذلك الوقت أسوأ ذكر هي مذبحة سان بارتلمي

التي أمر بها، سنة 1572، شارل التاسع وكاترينا دوميديسيس.

لا يتطلب الجزمُ بأنه لم يوجد ملك قادر على الأمر بوقوع مثل ذلك الحادث بحثًا

نفسيٍّا دقيقًا، فلم تكن واقعة سان بارتلمي جرمًا اقترفه الملك، بل جرمًا شعبيٍّا، فلما قتلت

كاترين دوميديسيس في باريس خمسة من زعماء الپروتستان الذين ظنت أنهم يأتمرون

بها وبالملك وشاع ذلك في باريس انقض أشراف الكاثوليك والحرس الملكي والجمهور

على الخوارج فقتلوا منهم ألفي نفس، وقد حذا سكان الولايات حذو أهل باريس في ذلك

بعامل العدوى فسفكوا دماء ما يقرب من ثمانية آلاف نفس.

ولما سكَّن الزمان الحمية الدينية قليلًا أنحى المؤرخون من كاثوليك وغيرهم على

مذبحة سان بارتلمي باللائمة فأثبتوا لنا بذلك أن الوقوف على نفسية عصر من خلال

نفسية عصر آخر أمر متعذر.

لم يوجَّه إلى حادثة سان بارتلمي أيام وقوعها شيء من الانتقاد في أوربة الكاثوليكية،

وقد أوجبت حماسة لا توصف، فكاد فيليب الثاني يصبح مجنونًا لشدة فرحه عندما بلغه

وقوعها، وتساقطت أنواع التهنئة على ملك فرنسة أكثر مما كانت تتساقط عليه لو نال

نصرًا عزيزًا في ساحة الحرب، ولم يبد السرور على أحد كما بدا على البابا غريغوار الثالث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت