يصعُب تصور الحياة في العهد السابق - ولا سيما حياة الفلاحين الحقيقية - تصورًا
حسنًا، فالكتَّاب يصورون ما كان عليه الفلاحون في ذلك العهد من الكآبة تصويرًا يجعل
الإنسان يسأل كيف لم يمت هؤلاء البائسون جوعًا، وإليك صورة نُشرت في تاريخ الثورة
الفرنسية الذي ألَّفه أحد أساتذة السوربون، مسيو رانبو، ففي هذه الصورة التي وضعت
للدلالة على» بؤس الفلاحين أيام لويس الرابع عشر «يُرى رجل يقاتل الكلاب ليخطف
منها عظامًا معروقة، وبجانبه بائس يشُد أحشاءه من الجوع وامرأة ترعى عشبًا، ويُرى
أناس ألُقوا إلى الأرض وأصبحوا كالأموات، ثم أورد ذلك المؤلف الكلمة الآتية، وهي:
كانت وظيفة الشُّرْطي، التي كانت تشرى في الدور السابق ب 300 ليرة، تدر
لصاحبها 400000 ليرة، وكان ثمن القبض على الشخص 120 ليرة، وكان
عدد ما أصدره لويس الرابع عشر من أوامر النفي والسجن 150000.
إن ابتعاد أكثر المؤلفات التي بحثت في الثورة الفرنسية عن الإنصاف، كهذا المؤلف،
يجعل الوقوف على ذلك الدور ناقصًا، نعم، إن وثائق تلك الثورة كثيرة، ولكنها متناقضة،
فتمكن معارضة وصف لابرويار بالوصف العجيب الذي أتى به السائح الإنكليزي يانغ؛
ليدل على سعادة الفلاحين الذين شاهدهم في ذلك الزمن، وهل صح قول بعضهم إن
الفلاحين كانوا مثقلين من الضرائب فكانوا يؤدون أربعة أخماس محاصيلهم ضريبة؟
يتعذر علينا أن نأتي بجواب صحيح عن ذلك، وإنما نقول إن اشتراء الفلاحين ثلث
الأرضين في العهد السابق مما يدل على أنهم لم يكونوا بائسين.
ومع ذلك فإننا نعلم أن الإدارة المالية كانت جائرة مرتبكة، وأن العجز كان يدب في
الميزانيات، وأن الضرائب كان يجبيها ملتزمون ظالمون، وأنه نشأ عن هذه الأحوال استياءٌ
تجلى في عرائض مجلس النواب.
ولم تحوِ هذه العرائض فكرًا ثوريٍّا، وكل ما التُمس فيها هو أن تُجبَى الضرائب
بعد موافقة مجلس النواب عليها، وأن تُفرَض على قاعدة المساواة، وأن يوضع دستور
تعين فيه سلطة الملك والأمة، فلو أجُيزت هذه المطاليب لقامت مقام الملكية المطلقة ملكية
دستورية ولاجتنبت الثورة على ما يحتمل.