فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 143

الفصل الثاني

نتائج النشوء الديموقراطي

بيَّنَّا في الفصل السابق أن السنن الطبيعية لا تلائم الأماني الديموقراطية، ومن الأمور

المعلومة أنه لا تأثير لهذه الحقيقة في المبادئ الراسخة في النفوس، فالإنسان لا يبالي بما

في المعتقد الذي يسيِّره من القيمة الحقيقية، والفيلسوف الذي يبحث عن هذا المعتقد،

وإن وَجَبَ عليه أن يجادل في قيمته العقلية، يجب عليه أن ينقِّب عن تأثيره في النفوس

أيضًا.

وتبدو أهمية هذا التقسيم عند الاستعانة به على تفسير المعتقدات التي ذكرها

التاريخ، فمع أن جوپيتر وفيشنو وغيره من الآلهة خيالات من الجهة العقلية كان شأنها

عظيمًا في حياة الأمم، وكذلك كان شأن المعتقدات التي سادت القرون الوسطى وحَنَتْ

ظهور ألوف الناس أمام الهياكل، ومن هو في شك من هذا فليقابل بين تغلُّب الدولة

الرومانية وتغلب الكنيسة؛ فقد كان تغلُّب الرومان ملموسًا لا ريب فيه، وكان تغلب

الكنيسة قائمًا على أسس وهمية، إلا أنه اتفق لتغلب الكنيسة من السلطان القوي ما

اتفق لتغلب الرومان، ففي القرون الوسطى المظلمة نالت به الأمم الهمجية ما لا تقوم

حضارة على غيره من الروادع الاجتماعية والروح القومية، ويثبت هذا السلطان الذي

نالته الكنيسة قدرة بعض الأوهام على إيجاد مشاعر مخالفة لمنافع الفرد والمجتمعات

كالرهبانية، والحروب الصليبية، وحروب الدين ... إلخ.

وإذا عرضنا الملاحظات السابقة على المبادئ الديموقراطية والاشتراكية ظهر لنا أن

نجاح هذه المبادئ لا يتطلب قيامها على أساس متين، وإنما يكفيها أن تبسط سلطانها

على القلوب.

ومن الخطأ أن يكلف دعاة المذاهب الجديدة أنفسهم عناءَ البحث عن أساس عقلي

يفسرون به أمانيهم، فتأثيرهم يكون أتم وأكمل إذا اقتصروا على التوكيد وبث الآمال،

وما قوتهم إلا في النفسية الدينية الملازمة قلب الإنسان، والتي لم تغير سوى المواضيع

في مختلف الأجيال، وقد قلنا، عندما تكلمنا عن الكنيسة في القرون الوسطى، إنها قدرت

على التأثير في نفوس الناس، فعندما يتحقق شيءٌ من آمال المذاهب الديموقراطية نرى أن

سلطانها لا يكون أقل من سلطان الكنيسة في القرون الوسطى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت