ظهر لنا من أكثر الثورات التي ذكرناها أن الحكومات الضعيفة تنهار عندما تُمَس، غير
أن الثورة الروسية السابقة أثبتت لنا إمكان انتصار الحكومة التي تعرف كيف تدافع
عن نفسها.
لم تحدث ثورة أكثر خطرًا على حكومة من هذه الثورة، فبعدما غُلبت روسية في
الشرق الأقصى وشعر الناس بشدة النظام الاستبدادي تمردت فيها الطبقات الاجتماعية،
ومنها جزء من الجيش والأسطول، وأضرب موظفو الخطوط الحديدية والبريد والبرق
عن العمل فانقطعت وسائل النقل والمراسلة في تلك الإمبراطورية العظمى.
ثم أخذت الدعوة الثورية تشيع بين طبقة الفلاحين الذين هم معظم الأمة الروسية،
وقد كان هؤلاء يعيشون عيشة بؤس وشقاء لإكراههم - كما يقتضيه نظام مير - على
الفلاحة من غير أن تكون الغلة لهم فعزمت الحكومة على استمالتهم بتحويلهم إلى مُلَّاك،
فوضعت قوانين أكرهت بها سادتهم على بيعهم جزءًا من أراضيهم، ثم أنشأت مصارف
لتقرضهم مالًا يؤدون به ثمن ما يشترون على أن يدفعوا ديونهم إلى تلك المصارف
أقساطًا سنوية من المحاصيل.
وبعدما استمالت الحكومة الروسية الفلاحين على هذا الوجه استطاعت أن تقاتل
-من غير رحمة - العصاة المتمردين الذين كانوا يُحرقون المدن ويلقون القنابل بين
الجماعات فأبادت من قبضت عليهم منهم سائرةً على السُّنَّة الضرورية لحفظ المجتمع
من الثائرين الذين يريدون نقضه.
ثم رأت الحكومة الروسية التي خرجت من هذه المعامع ظافرة أن تجيب فريق
الأمة المهذب إلى مطاليبه الحقة فأنشأت مجلسًا اشتراعيٍّا يسن القوانين ويرقب النفقات.
يثبت لنا تاريخ الثورة الروسية كيف أن حكومة تداعت أركانُها الطبيعية استطاعت
أن تتغلب على أشد الصعوبات بثباتها ودرايتها، فلقد أصاب من قال: «إن الحكومات لا
تُقْلَب بل تنتحر.»