فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 143

تتبع هذه العناصر العاطفية في الأوقات العادية مقتضيات الاجتماع فيكون الحرص

محدودًا بحكم الضرورة في مجتمع قائم على نظام المراتب، فإذا صار فيه جنديٌّ قائدًا

فذلك لا يقع إلا بعد انقضاء زمن طويل، وأما في أيام الثورات فبما أنه جاز لكل امرئ

أن يصعد في أعلى المراتب فإن خلق الحرص يهيج عند الناس فيظن أحقرهم أنه أهل لها

فيبلغ الزهو فيه غايته.

وللحسد شأن عظيم في الأدوار الثورية، فكان حسد الناس للأشراف سببًا من أسباب

الثورة الفرنسية، ولما زادت الطبقة الوسطى فيها مالًا وسطوة وكثر اختلاطها بالأشراف

شعرت - على الرغم من ذلك - ببعدها منهم فأحست في نفسها ألمًا شديدًا، وهذه الحالة

الروحية جعلتها تميل غير شاعرة إلى المذاهب الفلسفية القائلة بالمساواة.

إذن، كانت عزة النفس المجروحة والحسد سببين لما لم ندرك مغزاه اليوم من

الأحقاد، فكان كثير من رجال العهد مثل كاريه ومارا وغيرهما يتذكرون - والغضب

آخذ منهم مأخذه - أنهم تقلدوا وظائف ثانوية لدى الأمراء الإقطاعيين، وما استطاعت

مدام رولان أن تنسى أنها عندما دُعِيت في الدور السابق مع والدتها للعشاء عند سيدة

كبيرة تناولتاه مع خدم المائدة.

قال الفيلسوف ريفارول»: لم تكن الضرائب وأوامر الملك وتصرف السلطة السيئُ

وجَوْر الولاة وتقاعس القضاة أمورًا أثارت وحدها ساكن الأمة، بل إن الأمة أظهرت من

الحقد على طبقة الأشراف ما لم تظهره على شيء آخر. «

قال ناپليون: «إن الزهو كان سببًا للثورة الفرنسية، ولم يكن السعي إلى الحرية

سوى حجة باطلة.»

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت