فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 143

مقدمة المؤلف (1)

مختلف الآراء في الثورة الفرنسية

لم أضع هذا الكتاب لأمدح الثورة الفرنسية أو لأذمَّها، بل لأفسرها بما ذكرته من السنن

في كتاب» الآراء والمعتقدات النفسية. «

ومع أن الغاية التي توخيتها تجعلني لا أبالي بالآراء التي قيلت في الماضي فإنني رأيت

الاطلاع عليها مفيدًا، فخصصت فصلًا لبيان ما أتى به المؤرخون من مختلف الأفكار في

الثورة الفرنسية.

لا تعبِّر الكتب إلا عن آراء أصبحت قديمة، وهي - وإن أمكن أن تهيئ الأفكار

المستقبلة - قلَّما تعرب عن الأفكار الحاضرة، والمجلات والجرائد وحدها هي التي تعبر

عن الوقت الحاضر تعبيرًا صادقًا، ولهذا فإن ما يجيء فيها من النقد مفيد جدٍّا.

يمكن أن نستخرج من المقالات التي نشرت حول هذا الكتاب ثلاثة آراء دالة على ما

يدور الآن حول الثورة الفرنسية من الأفكار:

فالرأي الأول: يَعُدُّ الثورة الفرنسية معتقدًا يجب قبوله أو رفضه بأسره، والرأي

الثاني: يعتبرها سرٍّا غامضًا، والرأي الثالث: يعدها حادثة لا يجوز الحكم فيها قبل نشر

كثير من الوثائق الرسمية التي لم تطبع بعد، ولا يخلو البحث بإيجاز عن قيمة هذه الآراء

الثلاثة من فائدة.

تعتبر الأكثرية في فرنسة تلك الثورة من المعتقدات، ولذلك تظهر لهذه الأكثرية حادثًا

ميمونًا قد أخرجها من طَور الهمجية وحررها من ظلم الأشراف، ولا يزال يعتقد كثيرٌ من

رجال السياسة أنه لولا نشوب الثورة الفرنسية لكانوا الآن أجُراء عند الأمراء الإقطاعيين.

وقد ظهرت هذه الحالة النفسية في بحث مهم خصصه السياسي الشهير، مسيو إميل

أولي?يه لمناهضة كتابي، فبعد أن ذكر هذا العضو الفاضل في المجمع العلميِّ النظرية التي

تعد الثورة الفرنسية حادثة غير نافعة قال:

تناول غوستا? لوبون هذا الموضوع فجاء في كتاب حديث بحث فيه عن روح

الثورة الفرنسية، وتجلت فيه قوة تأليفه وبيانه» أنَّ الثمرة التي اقتطفت بعد

القيام بكثير من أعمال التخريب لا بدَّ من نيلها في نهاية الأمر مع سير الحضارة

بلا عناء.

لم يرضَ أولي?يه بهذا الرأي، فالثورة الفرنسية عنده ضربة لازب، وقد ختم كلامه

بما يأتي:

هل يأسف على وقوع الثورة الفرنسية من لا يريد أن يكون مسخَّرًا لصيد

الضفادع في الغُدران لكيلا تقلق الأمير الإقطاعي في نومه؟ وهل ينوح على

حدوثها من لا يريد أن يري كلاب شابٍّ عاتٍ تخرِّب حقله؟ وهل يحزن على

نشوبها من لا يريد أن يسجن في البستيل لوَلع رجل من بطانة الملك بزوجته

أو لانتقاده أحدُ الوجوه؟ وهل يأسى على اشتعالها من لا يريد أن يبغي عليه

وزير أو موظف وأن يكون تحت رحمة أحد من الناس، وأن يؤخذ منه أكثر

مما يفرض عليه، وأن يهينه ويشتمه من يدَّعي أنه فاتح؟ - لذلك أشكر، وأنا

من الطبقة الوسطى، أولئك الذين أنقذوني، بعد عناء شديد، من هذه القيود

التي لولاهم لظلت تقيدني، وأهنئهم على الرغم من زلاتهم.

فالمعتقد الذي تجلى في مثل هذه الكلمات قد ساعد - مع قصة ناپليون - على جعل

الثورة مرضيٍّا عنها في فرنسة، ومصدر هذا الوهم الشائع، حتى بين كثير من أقطاب

السياسة، هو المبدأ القائل: إن طرق الحياة عند الأمة تكون وَفْقَ نظمها، والواقع أن تلك

الطرق تابعة للمبتكرات العلمية والاقتصادية، فتأثير القاطرة في مساواة الناس غير تأثير

الِمقصلة، ولا ريب في نيلنا، منذ زمن طول، ما بلغناه وبلغته أمم كثيرة من المساواة والحرية

سواء علينا أشتعلت هذه الثورة أم لم تشتعل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت