فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 143

ويؤدي الرأي الثاني، القائل إن الثورة الفرنسية سرٌّغامض، إلى محافظة هذه الثورة

على نفوذها أيضًا، فإليك ما جاء في مقالة خصصها مدير إحدى الجرائد الكبيرة في باريس،

مسيو دورمون، للبحث في كتابي:

لم تزل الحوادث المدهشة التي زعزعت أركان العالم لغزًا من الألغاز، ولم

تَكتشف مباحث علم النفس سرَّ تلك الأزمة العجيبة التي ستبقى معدودة من

حوادث التاريخ الخارقة.

وينشأ عن تلقي الثورة الفرنسية على هذا الوجه ظنُّ الناس أنها سلسلة وقائع نشأت

عن عوامل خفية، وتدل الكلمات التي أوردناها على درجة الشكوك والرِّيب التي تزيد

البحث في الثورة المذكورة إبهامًا وتسوِّغ حكمة العلماء الذين يقتصرون على نشرالوثائق.

إذن، يرى المنصف، الذي يودُّ أن يكون ذا رأي صائب في الثورة، نفسه الآن أمام عقائد

عمياء، أو أمام مزاعم قائلة إن هذا الحادث العظيم يتعذر إيضاحه بالمعارف الحاضرة.

وقد لاح لي، عندما شرعت في درس الثورة الفرنسية مستعينًا بطريقتي في علم النفس،

أن شكوك المؤرخين في هذه الأزمة الكبيرة ناشئٌ عن شرحهم بالمعقول ما صدر عن روح

التدين والعاطفة والجماعات من الحوادث.

وفي كل صفحة من صفحات تلك الثورة برهان على ذلك، فمنطق الجماعات، لا المنطق

العقليُّ، هو الذي يكشف لنا سبب استحسان المجالس الثورية التدابير المخالفة لرأي كلِّ

عضو من أعضائها، ولا يوضح لنا العقل لماذا تنزَّل نوابُ الأشراف في ليلة شهيرة عن

امتيازات كانوا شديدي التمسك بها مع أنهم لو كانوا قد أقلعوا عنها في وقت آخر لاجتنب

نشوب الثورة الفرنسية على ما يحتمل، وكيف يمكننا أن ندرك علة كون الأذكياء المسالمين

من أبناء الطبقة الوسطى، الذين كانوا، وهم في بعض اللجان يضعون المقياس المتريَّ

ويأمرون بإنشاء المدارس الكبيرة، قد استصوبوا أفعالًا وحشية كقتل لا?وازيه والشاعر

شينْيه وهدم قبور سان دِنِي الفخمة إذا لم نطَّلع على تقلبات الذات باختلاف الأحوال؟

ثم كيف يمكننا إدراك السبب في انتشار الحركات الثورية إذا لم نكن عارفين سُنن الإقناع

الحقيقية التي تخالف ما تدلُّ عليه الكتب من الطرق مخالفةً تامةً.

وقد تأصلت قواعد المنطق العقلي في فرنسة تأصلًا جعل الناس لا يتصورون معه

إمكان وقوع حوادث التاريخ بعيدة من العقل مع أنه يجب علينا لتفهُّم ما يعجز المنطق

العقلي عن إيضاحه من الحوادث أن نغيِّر الطرق التي نوضِحُ بها وقائع التاريخ.

أرى الأفكار التي بينتها في هذا المؤلف ستشيع سريعًا، وما نُشِرَ من المقالات الكثيرة

يُثبت لنا أنها أثرت في كثير من العلماء المدققين، جاء في جريدة التايمس، التي هي أهم

صحف إنكلترة، ما يأتي:

يجب على رجال السياسة كلِّهم أن يطالعوا كتاب غوستا? لوبون الذي لم يبال

فيه بما قيل في تفسير الثورة الفرنسية من النظريات المدرسية؛ فأوضح ما

للشعب من الشأن الضئيل في الحركات الثورية، وما في عزائم أعضاء المجالس

وهم مجتمعون من المناقضة المطلقة لعزائمهم وهم منفردون، وما سَيَّر أبطال

هذه الثورة من الروح الدينية، وما للعقل من التأثير القليل فيهم، فلولا هذه

الثورة لصعب إثبات أن العقل لا يحوِّل الرجال وأن المجتمعات لا تتجدد كما

يريد المُشترِعون ذوو السلطان العظيم.

حقٍّا إن تاريخ الثورة الفرنسية سلسلة من الحوادث التي وقعت في الغالب مستقلٍّا

بعضها عن بعض كقصة النظام الملكيِّ الذي نُقض لعدم وجود من يدافع عنه، وقصة

المجالس الثورية، وقصة الفتن الشعبية وزعمائها، وقصة الجيوش، وقصة النظم الجديدة

وغير ذلك من القصص الدالة في الغالب على قُوًى نفسية متصادمة يجب درسها وَفْقَ

طرُق علم النفس.

نعم، قد يجادل في قيمة ما أتينا به من الشروح، ولكنني أعتقد أنه يصعُب بعد الآن

أن يكتب تاريخ الثورة الفرنسية من غير أن ينظر إلى ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت