ظهر مما تقدم أن أمر الفوضى والانحلال استفحل في آخر عهد الديركتوار حتى صار
الناس ينتظرون ظهور رجل قادر على إعادة النظام، وفكر كثير من النواب، منذ سنة
1795، في إعادة الملكية، إلا أن تصريح لويس الثامن عشر الذي قال فيه إنه سيعيد
النظام القديم بأجمعه، وسيرد الأملاك إلى أصحابها السابقين، وسيجازي أنصار الثورة
الفرنسية، حوَّل الأنظار عنه.
وبحث الناس عن قائد بعد أن تعذر إرجاع الملكية، فوجدوا بوناپارت، وقد اشتهر
بوناپارت في معارك إيطالية، فبعد أن جاوز جبال الألب، ودخل ميلان والبندقية ظافرًا،
وجمع غنائم عظيمة زحف على ?ينة، ولما أصبح على بعد خمسة وعشرين فرسخًا منها
طلب إمبراطور النمسة منه الصلح.
ولم يكتف هذا الشاب بما ناله من شهرة فطمع في زيادته، فأقنع حكومة الديركتوار
بأن الاستيلاء على مصر يخضد شوكة إنكلترة؛ فأبحر من طولون إلى مصر في شهر
مايو سنة 1798، ولم تطل إقامة بوناپارت في مصر، فقد رجع إلى فرنسة حين استدعاه
أصدقاؤه، وعمَّ الابتهاج أنحاء فرنسة عندما بلغ الناس خبر عودته.
وقد ساعدته فرنسة على إتمام المؤامرة التي دبرها سيابس ومديران وبعض الوزراء؛
لإسقاط مجلس النواب، ونشأ فرح كبير عن تخلص فرنسة من ربقة العصابات المشؤومة
التي قهرت البلاد منذ زمن بعيد، نعم، عانت فرنسة بعد ذلك نظامًا استبداديٍّا، ولكنه
لم يكن شديد الوطأة كالنظام السابق.
ويؤيد تاريخ إسقاط مجلس النواب هذا ما قلناه في مكان آخر عن صعوبة الحكم
الصحيح في الحوادث المعلومة التي شاهد وقوعها أناس كثيرون، فقد كان الناس منذ
ثلاثين سنة يعدِّون ذلك الإسقاط جناية أوجب اقترافها طمع رجل يعضده الجيش، مع
أن الواقع أن الجماعة التي طردت مَن عاند من النواب لم تكن من الجند، بل من حرس
المجلس الذي فعل ما أمرته به الحكومة المستعينة بفرنسة.