فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 143

أنصارُ الثورة الفرنسية وأعداؤُها يرون في الغالب أن الحوادث الثورية تقعُ قضاءً وقدرًا،

قال إميل أولي?يه في كتاب» الثورة الفرنسية»: «لا يقدر أحدٌ أن يقاوم الثورات، فالإنسان

عاجز عن تبديل العناصر ومنع وقوع الحوادث الناشئة عن طبيعة الأحوال «، وقال تاين:

» كان سَيْرُ الأفكار والحوادث عند افتتاح مجلس النواب - أي في بدء الثورة الفرنسية -

أمرًا مقدرًا، فكل إنسان يحمل مستقبله وتاريخه من غير أن يَعْلَم «، وقال مسيو سُوريل:

» إن الثورة الفرنسية التي ظهرت لبعض الناس أنها هادمةٌ ولبعض آخر منهم أنها

مجددةٌ هي نظمٌ طبيعيٌ ضروريٌ لأوربة، فقد صدرت عن الماضي، ولا يمكن إيضاحُها

إلَّا بنور العهد السابق «، وقال غيزو» : لم تَقِف الثورة الإنكليزية والثورة الفرنسية سير

الحوادث الطبيعي في أوربة ولم تقولا شيئًا لم يُقَل في الماضي ولم تفعلا شيئًا لم يُفعل

مئة مرة قبل انفجارهما، فإذا نظرنا إلى أعمال تينك الثورتين، أي إلى شكل الحكومة

والقانون المدني ونظام الأحوال الشخصية والحرية، لم نجد شيئًا ابتدعاه «.

فكل هذه الأقوال تذكرنا بالمبدأ المعروف القائل: إن الحادثة نتيجة حادثة سابقة.

بيد أن ذلك المبدأ لا يدلنا على شيء كثير، فلا يجوز إيضاح كثير من الحوادث بمبدأ

القدر التاريخي الذي رضِيَ به كثير من المؤرخين، فالتاريخ - وإن قص علينا أمورًا

وقعت بفعل الضرورة - قص علينا أمورًا أخرى وقعت عرَضًا، ومن ذلك أن ناپليون

بوناپارت لم ينجُ من الموت عندما كان يغتسل في أكسون سنة 1786، إلا بمصادفته

كثيبًا، فلو مات ناپليون في تلك الساعة وقلنا إن قائدًا آخر كان يظهر ليقبض على زمام

الحكم المطلق فما عسى أن يكون مذكورًا في القصيدة الإمبراطورية الحماسية عوضًا من

ذلك العبقري الذي قاد جيوش فرنسة ظافرة إلى فتح عواصم أوربة؟

نعم، يجوز اعتبار الثورة الفرنسية حادثًا ضروريٍّا من بعض الوجوه، ولكنها كانت

-على الخصوص-صراعًا بين الخياليين وسنن الاقتصاد والاجتماع والسياسة المسيِّرة

للبشر، فلما جهل هؤلاء الخياليون تلك السنن حاولوا عبثًا أن يتغلبوا على سير الأمور،

ولما حبِطت محاولتهم اضطهدوا الناس وأمروا متوعدين - ولكن على غير جدوى - أن

يكون للورق النقدي الساقط قيمة الذهب، ثم سنوا قانون القصاص الذي زاد الجرائم.

على أن رجال الثورة الفرنسية اكتشفوا في نهاية الأمر، بعد أن كسروا الزواجر، أن

المجتمع لا يعيش بغير الزواجر، وهم حينما أرادوا صُنع زواجر جديدة رأوا أن أقوى ما

يبتدعونه - حتى الِمقْصَلة - لا يقوم مقام الأخلاق التي غذَّى الماضي بها النفوس شيئًا

فشيئًا.

إذًا لم تنشأ حوادث الثورة عن سنن ثابتة، بل كانت نتيجة مبادئ اليعاقبة، وقد

أمكن أن تكون شيئًا آخر، فلا يكون سير الثورة الفرنسية غير ما وقع لو دعا لويس

السادس عشر بالحكمة والموعظة الحسنة، أو لو كان المجلس التأسيسي أقل جبنًا مما

كان عليه إزاء فتن الرعاع.

فيجب إظهار الشك في فعل الأقدار سواء أفي المباحث التاريخية أم في المباحث

العلمية، فقد توصل العلم بالتدريج إلى تبديد كثير من أقدار الطبيعة، ولا يفعل عظماء

الرجال سوى ذلك التبديد، كما أشرت إليه في كتاب آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت