فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 143

لم يقتصر ميراث الأجيال الحديثة على المبادئ الثورية، بل اشتمل على النفسية التي

أوجبت انتصار هذه المبادئ أيضًا.

وقد وصفنا هذه النفسية عند البحث في الروح اليعقوبية، فأثبتنا أنها تميل إلى إكراه

الناس على قبول أوهامها التي عدتها حقائق، ولم تلبث الروح اليعقوبية أن عمت فرنسة

والبلدان اللاتينية الأخرى، فاستحوذت فيها على أحزابها، ومنها الأحزاب المحافظة.

ونتيجة انتشار الروح اليعقوبية هي حمل الناس على المبادئ السياسية والنظم

والقوانين قسرًا، وهذا هو السر في أن المذهب النقابي - الذي هو سلمي ومنظم في البلاد

الأخرى - لم يلبث أن نهج عندنا نهجًا فوضويٍّا متجليًا في صورة اضطرابات وتحريق

وتخريب.

وإذا استولى الخوف على الحكومات، فلم تَكْبَحْ جماح الروح اليعقوبية، أفسدت هذه

الروح أصحاب العقول الصغيرة، فلما وافق ثلثُ المندوبين في مؤتمر المعدِّنين الأخير على

سياسة التخريب قال أحد كتاب المؤتمر»:أهُدي إلى كل من يعمل بسياسة التخريب من

العمال سلامي الأخوي وإعجابي القلبي. «

وتوجب هذه الذهنية العامة زيادة الفوضى في البلاد، وإذا لم تكن فرنسة الآن في

ثورة مستمرة فذلك لما هو واقع بين أحزابها من توازن، نعم، إن كل حزب فرنسي مفعم

من الحقد الشديد على الأحزاب الأخرى، ولكن لم يملك واحد من هذه الأحزاب قوة كافية

لإخضاع غيره.

وقد سارت الروح اليعقوبية في البلاد مسيرًا جعل حكامنا أنفسهم يتذرعون بأشد

الوسائل الثورية لقهر خصومهم، فاضطهدوا هؤلاء الخصوم وجردوهم من أموالهم من

غير أن تحتج الأحزاب على ذلك، وما أشبه سِيَر حكامنا في الوقت الحاضر بسير الفاتحين

في القرون القديمة حين لا أمل للمغلوب!

إذن، ليس عدم التسامح خاصٍّا بالعوام، بل يشاهد عند ولاة الأمور أيضًا، وقد لاحظ

ميشله - منذ زمن طويل - أن استبداد المتعلمين أشد من استبداد العوام في بعض

الأحيان، ولا ريب في أن المتعلمين لا يكسرون المصابيح، ولكن لسرعان ما يسهل عليهم

ضرب الرقاب، فالمتعلمون والأساتذة والمحامون، الذين ظُنَّ أن ما نالوه من التهذيب

المدرسي ألانَ طباعهم هم الذين اقترفوا أشد المظالم أيام الثورة الفرنسية، ولم يُلَطِّفِ

التعليم طباع الناشئة في الوقت الحاضر أكثر من قبل، وهذا يظهر من قراءة الجرائد

والرسائل التي ينشرها أساتذة الجامعات، فيسأل القارئُ متعجبًا كيف اشتعل الحقد في

قلوب هؤلاء الذين حالفهم الحظ الحسن.

ولم يكونوا صادقين في قولهم إن محبة الغير هي التي تدفعهم إلى ذلك، فروحهم

الدينية الضيقة وشوقهم إلى الشهرة هما سبب ما ينشرون من رسائل الدعوة، وقد

استشهدت في مؤلف آخر بعبارات أحد أساتذة مدرسة فرنسة (كوليج دوفرانس) التي

جاءت في أحد كتبه وحرض فيها الشعب على نهب أموال الطبقة الوسطى التي يلعنها،

فاستنتجت منها أنه إذا اشتعلت ثورة جديدة سهُل عليها أن تجد بين مؤلفي تلك الرسائل

أعوانًا مثل مارا وروبسپير وكاريه.

وإذا نفِدت شؤون المذاهب الدينية السابقة فإن حقيبة المبادئ الديموقراطية لا تزال

ملأى، ونرى أنه يخرج منها كل يوم شيءٌ جديد، ونعد الحقد على الأفضليات من أهم

ما خرج منها، وقد عم الحقد على كل من يجاوز المستوى المتوسط، فكان من نتائج

هذا الحقد شيوع الحسد والغيبة والميل إلى الهجو والسخرية والجفاء وارتكاب الدنايا

وجحود الصدق والنزاهة والذكاء، ومن يدقق في أحاديث المتعلمين والشعب يعلم أنهم

ينتقصون فيها أكابر الرجال ويحطون من قدرهم، ولم ينجُ أعاظم الموتى من أن يكونوا

عرضة لمثل ذلك الانتقاص، فلم تؤلف كتب أكثر من التي استصغرت فيها قيمة المشاهير

الذين عُدُّوا أثمن ميراث حوته البلاد في الماضي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت