فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 143

والحسد والحقد قد لازما مبادئ الديموقراطية في كل زمن كما يظهر، ولكن لم

يكثر شيوعهما في وقت كثرته اليوم، وما خفي ذلك على المدققين، قال مسيو بوردو:

نرى اليوم غريزة سافلة ثورية عاطلة من حلية الأدب لا غاية لها سوى خفض

البشر إلى الدرك الأسفل، وهي تعد كل أفضلية - ولو علمية - خروجًا على

المجتمع، فهذا الميل اللئيم إلى المساواة هو الذي كان مشتعلًا في قلوب اليعاقبة

السفاكين حينما قطعوا أعناق لا?وازيه وشينيه وغيرهما.

وليس الحقد على الأفضليات - العامل على انتشار الاشتراكية الآن - هو كل ما

تتصف به الروح الجديدة الناشئة عن المبادئ الديموقراطية، بل نرى عوامل أخرى مهمة

تقوَّى بها هذه الروح، وهذه العوامل هي: تقدم المذهب الحكومي، وتناقص ما عند

الطبقة الوسطى من النفوذ والقوة، وزيادة تأثير الملايين، وتنازع الطبقات، واضمحلال

الروادع الاجتماعية القديمة، وانحطاط الآداب.

ومَثَل الحركة الاجتماعية في زيادة سرعتها كمثل الحركة الميكانية من حيث تفاقم

أمرها يومًا بعد يوم، ويتجلى هذا التفاقم فيما يقع من الحوادث كل يوم كاعتصاب

المعدِّنين وموظفي البريد وانفجار المدرعات إلخ، قال أحد وزراء بحريتنا السابقين، مسيو

دولانيسَّان، بمناسبة تحطم المدرعة الليبرته التي قيمتها خمسون مليون فرنك، والتي

هلك فيها مئتا رجل في دقيقة واحدة:

إن المرض الذي يقوض أسطولنا هو كالذي يقوض جيشنا وإدارتنا ودواويننا

ونظامنا النيابي ونظامنا الحكومي ومجتمعنا بأسره، وهذا المرض هو الفوضى،

أي ارتباك النفوس وسائر الأمور ارتباكًا تنجز به الأعمال على وجه غير معقول،

ويسير به كل امرئ على وجه ينافي الواجب والأدب.

وقال رئيس بلدية باريس مسيو فليكس روسِّل»: ليست بحريتنا علة دائنًا، بل إن

هذه العلة أعم من ذلك، وتُلخَّص في ثلاث كلمات: عدم التبعة، وقلة النظام، والفوضى. «

ويدل ذلك على أن أشد المدافعين عن النظام الجمهوري يعترفون بتدرجنا إلى

الانحلال الاجتماعي شاعرين بعجزهم عن تلافيه، وعلة هذا العجز صدور ذلك الانحلال

عن مؤثرات نفسية أقوى من عزائمنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت