فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 143

أوضحنا ما للحركات الثورية التي وقعت في فرنسة منذ قرن من العلل النفسية، والآن

نلخص تاريخ تلك الثورات:

قهر الملوك ناپليون فردوا فرنسة إلى حدودها السابقة، وأجلسوا لويس الثامن

عشر على العرش، فنشر هذا الملك الجديد مرسومًا قال فيه إنه يرضى أن يكون ملكًا

دُستوريٍّا، وأن يكون نظام البلاد نيابيٍّا، ثم اعترف بنتائج الثورة الفرنسية من قانون

مدني ومساواة أمام القانون وحرية العبادة وعدم استردد الأموال الوطنية ... إلخ، إلا

أنه حصر حق الانتخاب في الذين يدفعون ضريبة معينة.

فناهض الملكيون المتطرفون في مجلس النواب هذا الدستور الحر، وأرادوا إعادة

الأموال الوطنية والامتيازات السابقة إلى أصحابها، ولكن لما شعر لويس الثامن عشر

بأن تنفيذ هذا العمل الرجعي يُشعل ثورة جديدة اكتفى بفض مجلس النواب، وأدت

الانتخابات الجديدة إلى اختيار نواب معتدلين فاستطاع الملك أن يثابر على الحكم بتلك

المبادئ عالمًا أن إعادة سكان فرنسة إلى مبادئ العهد السابق مما يدفعهم إلى العصيان.

ومن دواعي الأسف أن تبوَّأ شارل العاشر العرش بعد وفاة لويس الثامن عشر سنة

1824، فقد كان هذا الملك السخيف، العاجز عن إدراك ما طرأ على العالم من التبدل،

فخورًا بعدم تغيير أفكاره منذ سنة 1789، فأعد سلسلة من القوانين الرجعية القائلة

بتعويض المهاجرين مليار فرنك، وإعادة حقوق البكرية، وامتياز الإكليروس ... إلخ،

فعارضت أكثرية النواب ذلك، فوضع الملك سنة 1830 مراسيم حل فيها مجلس النواب،

وألغى حرية الصحافة، وهيأ أمر الرجوع إلى نظام العهد السابق، فأوجب هذا الاستبداد

تحالف الأحزاب، فأنفق الجمهوريون والبوناپارتيون والملكيون الأحرار على إيقاد نار

الفتنة في باريس، ولم تمض أربعة أيام على نشر تلك المراسيم حتى استولى العصاة على

العاصمة وفر شارل العاشر قاصدًا إنكلترة، ثم دعا زعماء الفتنة، كتيار وكازيمير پريه

ولافايت، لويس فيليپ، الذي كان الشعب لا يعلم عنه شيئًا، إلى باريس ونصبوه ملكًا

للفرنسيين.

وقد استند لويس فيليب في توطيد دعائم ملكه إلى الطبقة الوسطى، فوضع قانونًا

خفض فيه عدد الناخبين إلى مئتي ألف، فأوجب هذا انتخاب نوَّاب من تلك الطبقة موالين

للحكومة الجديدة.

وغدا لويس فيليب في موقف حرج؛ إذ كان عليه أن يقاوم في آن واحد أنصار هنري

الخامس (حفيد شارل العاشر) والبوناپارتيين الذين اعترفوا بلويس ناپليون رئيسًا

والجمهوريين، وقد أحدث هؤلاء كلهم، (من سنة 1830 حتى 1840) ، بما لهم من

الجمعيات السرية المشابهة لأندية الثورة الفرنسية، فتنًا كثيرة، وإن سهل قمعها جميعًا،

ولم ينصرف أنصار هنري الخامس والكهنة عن دسائسهم قط، وقد حاولت والدته إيقاد

نار الثورة في مقاطعة ?انده، فلم تنجح، وصارت مطاليب الإكليروس من التشدد بحيث

نشأ عنها عصيانٌ خرِبت في أثنائه أسقفية باريس.

ولم يكن الجمهوريون حِزبًا شديد الخطر لاتفاق مجلس النواب والملك على

مناهضتهم، وقد صرح الوزير غيزو بأن الحكم يحتاج إلى أمرين»: العقل والِمدفع «،

ولا شك في أن شيئًا من الوهم تطرق إلى هذا السياسي الشهير الذي نسب إلى العقل ما

للمدفع من تأثير.

ولم يعدِل الجمهوريون والاشتراكيون عن الحركة، فقد سعى أحد زعماء الاشتراكيين

(لويس بلان) إلى حمل الحكومة على إيجاد أعمال لأبناء الوطن كلهم، وفي سنة 1848

حدثت أزمة إصلاح الانتخابات فنشأت عنها فتنة جديدة أوجبت سقوط لويس فيليب

بغتة.

والعلل التي سوغت خلع لويس فيليب أقل أهمية من العلل التي نشأ عنها خلع

شارل العاشر، فإذا قلت إن لويس فيليب كان سيئ الظن بالانتخاب العام قلنا لك إن

حكومات الثورة الفرنسية أساءت الظن به مرات كثيرة، ونضيف إلى هذا قولنا إن حكومة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت