فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 143

لويس فيليب لم تكن مطلقة كحكومة الديركتوار وغيرها.

قامت في دائرة البلدية حكومة مؤقتة لتدير دفة الأمور، فأعلنت الجمهورية، وقررت

الانتخاب العام، وأمرت بأن ينتخب الشعب جمعية وطنية مؤلفة من تسع مئة عضو، وقد

صارت هذه الحكومة، منذ البداءة، هدفًا للدعاية الاشتراكية ولفتن كثيرة، فوقعت أمور

نفسية كالتي حدثت أيام الثورة الفرنسية الكبرى، أي قامت أندية جديدة، فكان زعماء

هذه الأندية يسوقون الشعب إلى الجمعية الوطنية من وقت إلى آخر لأسباب يرفضها

العقل الرشيد، كإكراه الحكومة على معاضدة عصيان اشتعل في بولونية.

وأنشأت تلك الجمعية مصانع وطنية؛ ليقوم فيها العمال بشتى الأعمال، وذلك

إرضاء للاشتراكيين الذين كانوا يقترحون كل يوم اقتراحًا جديدًا، وكان يشتغل في هذه

المصانع مئة ألف عامل، وكانت الحكومة تنفق عليهم مليون فرنك كل يوم، ولكن هؤلاء

العمال لما طلبوا أن يُعطوا رواتب من غير أن يأتوا عملًا قررت تلك الجمعية إغلاق ما

أسسته من المصانع.

ونشأ عن ذلك القرار عصيان هائل، فقد رفع خمسون ألف عامل راية العصيان،

واستولى الفزع على الجمعية الوطنية، فعهدت في السلطة التنفيذية إلى الجنرال كا?ينياك،

فقتل في المعركة التي وقعت بين الحكومة والعصاة ثلاثة قواد ومطران باريس، ثم أمرت

تلك الجمعية بنفي ثلاثة آلاف سجين إلى بلاد الجزائر.

ولم يلبث الفلاحون، الذين ظنُّوا أن خطر الاشتراكية والطبقة الوسطى محدق بهم،

أن انقلبوا على النظام الجمهوري، لكن لمَّا وعدهم لويس ناپليون بإعادة النظام استقبلوه

بحماسة، فرشح نفسه لرآسة الجمهورية، فانتخبه لها خمسة ملايين ونصف مليون

ناخب.

ولسرعان ما وقع الخلاف بين الجمعية الوطنية ولويس ناپليون، ففض هذا الأخير

تلك الجمعية وقبض على ثلاثين ألف رجل ونفى عشرة آلاف رجل وطرد من البلاد مئة

نائب، وقد رضيت الأمة بذلك عندما استُفتيت فيه، فاستحسنه سبعة ملايين ونصف

مليون ناخب من ثمانية ملايين ناخب، وفي 2 من ديسمبر سنة 1852 نُصِّب لويس

ناپليون إمبراطورًا، بأكثرية أكبر من تلك، والسبب في إعادة النظام الإمبراطوري: هو

مقت الناس في فرنسة للمشاغبين والاشتراكيين.

وكان نظام الإمبراطورية استبداديٍّا في العقد الأول فأصبح دستوريٍّا في العقد الثاني،

وخلعت ثورة 4 من سبتمبر سنة 1870 الإمبراطور لويس ناپليون على أثر تسليمه مدينة

سيدان بعد أن ملك ثماني عشرة سنة.

وندر بعد هذا التاريخ وقوع فتن ثورية، وتعد أهم فتنة اشتعلت منذ ذلك الحين

فتنة شهر مارس سنة 1871 التي احترق فيها قسم من مباني باريس الفخمة، والتي

قتل فيها عشرون ألف عاصٍ.

ومع ما نال البلاد من المصائب الكثيرة في حرب سنة 1870 لم يعلم الناخبون

شطر مَن يولون وجوههم، فأرسلوا إلى المجلس التأسيسي نوابًا أكثرهم من البوربوتيين

والأورليانيين، وبما أن هؤلاء النواب لم يتفقوا على إعادة الملكية انتخبوا تيار رئيسًا

، للجمهورية، ثم أقاموا في مكانه المرشال مكماهون، وقد جددت الانتخابات سنة 1876

فحاز الجمهوريون أكثرية، كما حازوها في كل انتخاب وقع بعد ذلك.

وقد انقسمت مجالسنا النيابية بعد هذا التاريخ إلى أحزاب كثيرة، فأوجب ذلك

سقوط كثير من وزاراتنا، على أن ما وقع بين تلك الأحزاب من الموازنة متع البلاد بسكينة

نسبية، ولم ينشأ عن إسقاط أربعة رؤساء للجمهورية اشتعال ثورة أو شغب، نعم،

حدثت فتنة شعبية سنة 1888، وأوشكت أن تقضي على النظام الجمهوري؛ ليقبض

الجنرال بولانجه على زمام الحكم، ولكن مقاومة هذا النظام لتلك النفسية أدت إلى تغلبه

على الأحزاب المخالفة كلها.

ولبقاء النظام الجمهوري الحاضر في فرنسة أسباب كثيرة؛ منها أن الأحزاب

المتطاحنة ليست من القوة بحيث يستطيع واحد منها أن يسحق الآخر، ومنها تجرُّد

رئيس الدولة من السلطة تجردًا لا نستطيع معه أن نعزو إليه السيئات التي نقاسي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت