فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 143

بحثنا في هذا المؤلف عن الثورات المهمة التي زلزلت بنيان التاريخ، ولكننا فصَّلنا - على

الخصوص- أمر الثورة الفرنسية التي هي أهمها؛ لقلبها أوربة مدة عشرين سنة، ولأن

صداها لا يزال يرنُّ.

وهذه الثورة مصدر وثائق نفسية لا ينضب معينها، ولا نعلم دورًا تاريخيٍّا جمع

تجارب كثيرة في وقت قصير مثل دورها.

وقد وجدنا في كل صفحة من صفحات هذه الفاجعة مجالًا لتطبيق ما بيناه في

مؤلفاتنا المختلفة من المبادئ الدالة على ما عند الجماعات من الروح الموقتة، وعلى ما

عند الشعوب من الروح الثابتة، وعلى تأثير المعتقدات، وشأن المؤثرات الدينية والعاطفية

والاجتماعية، وعلى تصادم أنواع المنطق.

وأحوال المجالس الثورية تنبئنا بصحة نواميس روح الجماعات، فالمسيِّر لهذه

المجالس في حالة الاندفاع وحالة الخوف عدد صغير من الزعماء، وكثيرًا ما تأتي هذه

المجالس أعمالًا مخالفة لعزائم كل عضو من أعضائها وهو منفرد، فمع أن المجلس

التأسيسي كان ملكيٍّا فقد قضى على الملكية، ومع أن الجمعية الاشتراعية كانت مشبعة

من روح الإنسانية فقد سمحت بوقوع مذابح سبتمبر، ومع أنها كانت مسالمة فقد دفعت

فرنسة إلى القيام بحرب هائلة، ثم وقع مجلس العهد في مثل ذلك التناقض مع أن

أكثريته كانت مؤلفة من فلاسفة ذوي عواطف رقيقة، فمع أن أعضاء مجلس العهد

كانوا يمجدون المساواة والإخاء والحرية ويمقتون الاضطهاد فقد اقترفوا أشدَّ المظالم،

وقد وُجِدَ مثل هذا التناقض في عهد الديركتوار أيضًا، فمع أن مجالسه كانت معتدلة في

أمانيها سفكت الدماء بغيًا وعدوانًا، ومع أنها أرادت توطيد دعائم السَّلم الدينية فقد

نفت ألوف الكهنة، ومع أنها ودت تعمير فرنسة فقد زادتها خرابًا.

إذن، الاختلاف تام بين عزائم رجال الثورة الفرنسية وهم منفردون وعزائمهم وهم

مجتمعون، وعلة ذلك إطاعتهم قوى خفية لا سلطان لهم عليها، فهم، وإن اعتقدوا أنهم

خاضعون لسلطان العقل المطلق، كانوا يعانون ما لم يدركوا أمره من المؤثرات الدينية

والعاطفية والاجتماعية.

تقدم الذكاء مع تعاقب الأجيال ففتح للإنسان آفاقًا عجيبة، وأما الخُلق الذي هو أساس

روح الإنسان والمحرك الحقيقي لأعماله فلم يتبدل منه شيء، وإذا تنكَّر الخلق قليلًا فإنه

لا يلبث أن يظهر كما كان؛ ولذلك وجب النظر إلى الطبيعة البشرية كأمر واقع لا يتغير.

ولم يرضَ القائمون بالثورة الفرنسية بذلك، فجربوا تحويل الناس والمجتمعات

باسم العقل، ولم يتيسر لأي مشروع من وسائل النجاح كما تيسر لمشروعهم، فقد كانت

قوتهم - حينما أرادوا إنجازه - أعظم من قوة الجبابرة، ولكن الثورة الفرنسية، مع

تلك القوة ومع انتصار الجيوش ومع ما سنُّوه من القوانين الصارمة ومع استئثارهم

بالسلطة، لم تؤدِّ إلى غير التخريب وإقامة الحكم المطلق.

ولم تخلُ هذه التجربة من فائدة، والتجارب ضرورية لتثقيف الأمم، فلولا الثورة

الفرنسية لصعب إثبات كون العقل المطلق لا يغير الرجال وكون المجتمع لا يتجدد كما

يريد المشترعون مهما كان سلطانهم عظيمًا.

ولم تلبث الثورة الفرنسية التي أثارتها منافع الطبقة الثانية أن أصبحت شعبية فحاربت

الغريزةُ العقلَ، وانتهكت حرمات الزواجر التي أخرجت الإنسان من طور الهمجية إلى

طور الحضارة، وقد حاول المصلحون أن ينشروا مذاهبهم باستنادهم إلى مبدأ السلطة

الشعبية، وصار الشعب الذي يقوده الزعماء يتدخل في مذاكرات مجالس النواب ويقترف

أشد المظالم.

وتاريخ الجماعات في ذلك الدور حافل بالفوائد، فهو يثبت خطل المشتغلين بالسياسة

الذين يَعْزُون كل فضيلة إلى الروح الشعبية.

وتدلنا حوادث الثورة الفرنسية على أن الشعب يرجع مسرعًا إلى همجية القرون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت