ذهبت أثينة ورومة وفلورنسة وغيرها من المدن التي أضاءت التاريخ ضحية أولئك
النظريين الخطرين الذين كانت أفعالهم واحدة: فوضى فحكم مطلق فانقراض.
ولا تنفع هذه الدروس المؤتمرين الكثيرين في الوقت الحاضر، والذين لا يزالون
يجهلون أن الفتن التي أثارتها أطماعهم تنذرهم بالويل والثبور، والذين بذروا في نفوس
الجماعات آمالًا يتعذر تحقيقها، وحركوا شهواتها، وقوضوا الروادع التي أقيمت في قرون
كثيرة لزجر أمثالهم.
وإن مقاتلة الجماعات العُمْي لصفوة الرجال من الأمور التي جَرَتْ سُنَّة التاريخ
عليها، وما أكثر المدنيات التي قضى عليها انتصار الحكومات الشعبية! فالخواص يبنون،
والعوام يهدمون، ومتى ضعف أولئك ظهر تأثير هؤلاء المفسدُ.
ولم تتقدم الحضارات العظيمة إلَّا بالتغلب على العوام، ولم ينشأ عن الاستبداد
الديموقراطي فوضى فحكم مطلق فغارات أجنبية ففقد استقلال في بلاد اليونان وحدها؛
بل إن الاستبداد الفردي عقب استبدادَ الجماعات في كل زمن، وهو الذي زعزع عظمة
رومة، وأدى إلى قضاء البرابرة عليها.