فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 143

الفصل الثاني

إعادة النظام-الجمهورية القنصلية

أثبت لنا تاريخ القنصلية أن عمل الفرد القوي أفضل من عمل الجماعات، فقد أحل

بوناپارت النظام محل الفوضى الدامية التي سادت الجمهورية منذ عشر سنين، وأنجز

وحده في وقت قصير ما لم تستطع إنجازه مجالس الثورة الفرنسية الأربعة مع ما أتت

به من استبداد واضطهاد.

ولم يلبث بوناپارت أن قضى بعزمه على الفتن الباريسية وعلى كل تدبير يؤدي إلى

إعادة الملكية، فأعاد إلى فرنسة التي فرقتها الأحقاد والضغائن وحدتها الأدبية، وأقام

استبدادًا فرديٍّا منظمًا مقام استبداد الجماعات المشوش، وكانت وطأة هذا الاستبداد

الفردي أخف من وطأة الاستبداد السابق؛ فربح الناس من ذلك، واستوجب عطفهم.

ولا نجاري المؤرخين السابقين في القول إن بوناپارت قوَّض أركان الجمهورية، فقد

أبقى بوناپارت منها ما يمكن بقاؤه، وقرر في الأنظمة والقوانين أهم المبادئ الثورية

كإلغاء الامتيازات والمساواة أمام القانون.

ويحتمل أنه لولا القنصلية لقامت مقام حكومة الديركتوار حكومة مليكة ومحت

أكثر مبادئ الثورة الفرنسية، فلنفرض أن بوناپارت لم يمثل دورًا تاريخيٍّا فإن مؤامرة

ملكية كانت تقلب حكومة الديركتوار التي كان يمقتها الناس فاسحة في المجال للويس

الثامن عشر، نعم، جلس لويس الثامن عشر على العرش بعد ست عشرة سنة من هذا

التاريخ، ولكن ناپليون كان قد منح - في تلك الأثناء - المبادئَ الثورية قوة عظيمة

جعلت ذلك الملك العائد لا يجرؤ على مسها ولا على إعادة أموال المهاجرين.

ولو كان لويس الثامن عشر قد قبض على زمام الدولة عند سقوط حكومة الديركتوار

لكان الأمر عكس ذلك؛ إذ كان يعيد معه استبداد العهد السابق، ويجعل الناس يقومون

بثورات جديدة للقضاء عليه، وليس إسقاط شارل العاشر لسعيه لإعادة النظام السابق

بأمر مجهول.

ومن البساطة أن يغضب المرءُ من استبداد بوناپارت، فقد تحمل الناس أنواع

الاستبداد في العهد الذي جاء قبل عهده، وفرضت حكومة الديركتوار عليهم استبدادًا أشد

وأقسى، ولم يكن الاستبداد وقتئذ سوى أمر عادي لا يُحتج عليه إلا إذا قام مع الفوضى،

فلما عمت الفوضى أنحاء البلاد بحث الناس عن سيد قادر على إخمادها، فكان بوناپارت

ذلك السيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت