فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 143

يمكن تلخيص ميراث الثورة الفرنسية في ثلاث كلمات: الحرية والمساواة والإخاء، وقد

رأينا أن تأثير مبدأ المساواة وحده كان عظيمًا.

وقد اختلف الناس في فهم تلك الألفاظ، ومن الأمور المعلومة أنه نشأ عن الاختلاف

في تفسير الألفاظ الواحدة حروب كثيرة.

كانت كلمة الحرية تدل عند رجال العهد على حقهم في الاستبداد المطلق، والآن تدل

عند الشاب المتعلم على تحرير النفس من كل احترام لما يضغطها من تقاليد وقوانين

وأفضليات، وهي تدل عند يعاقبة الوقت الحاضر على حقهم في اضطهاد خصومهم.

يذكر الخطباء السياسيون كلمة الحرية من وقت إلى آخر في خطبهم، وقد عدلوا

عن ذكر كلمة الإخاء؛ لدعوتهم اليوم إلى تطاحن الطبقات، لا إلى التوفيق بينها، وما

وجد حقد يفرق بين طبقات الأمة وأحزابها السياسية مثل الحقد الذي ينفثون سمومه،

وبينما يتزعزع مبدأ الحرية ويتقلص مبدأ الإخاء نرى مبدأ المساواة ينمو، وقد بقي هذا

المبدأ على رغم ما وقع في فرنسة من الانقلابات السياسية منذ قرن، وقد بلغ من الاتساع

مبلغًا صار به أساسًا لحياتنا السياسية والاجتماعية وقوانيننا وعاداتنا وتقاليدنا، ولو

من الجهة النظرية على الأقل.

فمبدأ المساواة هو ميراث الثورة الفرنسية الصحيح، وليس الاحتياج الحاضر إلى

المساواة أمام القانون وفي المناصب والأموال إلا طور الاشتراكية، أي طور الديموقراطية

الأخير، وكلما عم هذا الاحتياج عظُم سلطانه وإن خالف سنن الحياة والاقتصاد، وهو

صورة جديدة لما بين العقل والمشاعر من الصراع الذي قلَّما يخرج العقل منه ظافرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت