شأن الشعوب واحد في الثورات كلها، فهي لا تدرك مغزاها ولا تدبر أمرها، وإنما الزعماء
هم الذين يحركونها.
ولا يخلع الطاعة فريق من الشَّعب بغريزته إلَّا إذا مسَّ الضرُّ منافعه الظاهرة،
وذلك كما وقع في شنپانية حديثًا، وتدعى هذه الحركة المحلية بالعصيان البسيط.
ويسهُل وقوع الثورة إذا كان زعماؤها من ذوي النفوذ العظيم، وأما مبادئ الثورة
فلا تدخل في قلب الشعب إلا بالتدريج، فالشعب يقوم بالثورة من غير أن يعلم سببها،
ومتى ساقه الحظ إلى إدراك هذا السبب فإن الثورة تكون قد انتهت منذ زمن طويل.
ويقوم الشعب بالثورة مجيبًا دعوة زعمائه، وهو مع عدم إدراكه شيئًا يستحق
الذكر من أفكار هؤلاء الزعماء تتواردهُ هذه الأفكار حسبما يمليه عليه خياله.
خذ الثورة الفرنسية التي وقعت سنة 1789 مثلًا ترَ غايتها أن يقبض على زمام
الأمور أبناء الطبقة الوسطى بدلًا من الأشراف.
ولم يُنظر إلى مصلحة الشعب في بدء هذه الثورة إلا قليلًا، والشعب - وإن أعلنت
سيادته فيها - كانت هذه السيادة تضر بحقه في انتخاب نوابه فقط.
وبما أن الشعب كان جاهلًا غير طامح إلى الارتقاء في السلَّم الاجتماعي كأبناء الطبقة
الوسطى، وبما أنه كان شاعرًا ببعده من درجة الأشراف غير طامع في مساواتهم، كانت
أغراضه ومنافعه تختلف كثيرًا عن أغراض علية القوم ومنافعهم.
بيدَ أن ما وقع بين المجلس النيابي والملك من المنازعات أوجب تدخل الشعب فيها
شيئًا فشيئًا فأصبحت ثورة الطبقة الوسطى ثورة شعبية بذلك، وبما أن المبدأ لا يؤثر
إلا إذا استند إلى العاطفة والتدين وجب على مبادئ الطبقة الوسطى النظرية، لتؤثر في
الشعب، أن تتحول إلى إيمان جديد واضح مشتق من المنافع العملية الظاهرة.
تمَّ هذا التحول بسرعة عندما سمع الشعب الرجال - الذين كانوا الحكومة في نظره
-يقولون له إنه مساوٍ لسادته السابقين فاعتبر أنه كان ضحية وشرعَ ينهب ويحرق
ويقتل ظانٍّا أنه يتصرف في حق له.
وهكذا تجلت قوة المبادئ الثورية في منح حرية السير والعمل لأصحاب الغرائز
الفطرية الضارة التي ردعتها البيئة والتقاليد والقوانين منذ القديم.
ولما أخذت الزواجر الاجتماعية التي كانت تزجر عامة الأمَّة تتداعى على الوجه
المذكور تصور هؤلاء أن قوتهم غير محدودة فصاروا يطاردون سادتهم السابقين
ويسلبونهم أموالهم، وهل يمتنع الشعب عن فعل كل شيء بعد أن يصبح حاكمًا؟
لم تلبث كلمة الحرية والمساواة والإخاء التي كانت عُنوان الإيمان الجديد والآمال
الجديدة في بدء الثورة أن أخذت تسوغ غرائز الطمع والحسد والحقد، تلك الغرائز
المحركة للجماعات والتي لا يزجرها نظام، وهذا ما جعل النظام يختلُّ والظلم يسود
والفوضى تعمُّ في وقت قصير.
وبعد أن هبطت الثورة الفرنسية من الطبقة الوسطى إلى طبقة العوامِّ تقلص ظلُّ
العقل وتغلبت عليه الغرائز، وانتصار الغرائز الموروثة أمر مخيف، فلم تؤدِّ المجهودات
التي قامت بها المجتمعات لتعيش إلَّا إلى زجر بعض الغرائز الحيوانية الموروثة، نعم
يمكن ردع هذه الغرائز، وكلما تقدمت الأمة في ميدان الحضارة صار هذا الردع أتمَّ
وأكمل، إلا أنه يستحيل القضاء عليها؛ ولذا كان تحريرها خطِرًا جدٍّا، فمتى فاض السيل
لا يرجع إلى مجراه قبل أن يخرِّب ما يصل إليه.