لو اقتصر دوام الثورة الفرنسية على الوقت اللازم لنيل ما سعت إليه من المبادئ،
كالمساواة أمام القانون والسلطة الشعبية ومراقبة النفقات، لم يزد وقتها على بضعة
أشهر؛ لأن هذا حصل سنة 1789 ولم يضف إليه مبدأ آخر، والواقع أن الثورة الفرنسية
استمرت طويلًا، فإذا نظرنا إلى المدة التي عيَّنها المؤرخون الرسميون رأينا أنها انتهت
يوم ارتقاء بوناپارت، أي بعد انقضاء عشر سنين.
ولماذا دام دور الهرج والاضطهاد أكثر من الزمن الضروري لإقامة المبادئ الجديدة؟
يجب ألَّا يُبحث عن ذلك في الحروب مع الدول الأجنبية، وقد كانت هذه الحروب تنتهي
بسرعة؛ لانقسام الحلفاء وانتصار فرنسة عليها، كما أنه يجب ألَّا يبحث عنها في محبة
أبناء فرنسة للحكومة الثورية، ولم يوجد نظام مقته الناس وكرهوه مثل نظام المجالس،
وأعرب فريق كبير من الأمة عن سخطه عليه بما قام به من العصيان، وأتى به من
انتخابات كثيرة مخالفة له.
أوضح المتأخرون من المؤرخين كره فرنسة للنظام الثوري بعد أن ظلَّ أمر هذا
الكره مجهولًا زمنًا طويلًا، وقد لُخِّصت آراؤهم في العبارة الآتية التي نقتطفها من مؤلف
جديد لمسيو مادلن بحث فيه عن الثورة الفرنسية:
قبضت على زمام فرنسة والجمهورية فئة قليلة مكروهة فصارت ثلاثة أرباع
البلاد ترجو أن تنتهي الثورة أو أن تنقذ من أيدي هذه الفئة المكروهة التي
بقيت مدة طويلة على رأس الأمة التعسة بما تذرعت به من ألوف الحيل
والوسائل، ولما أصبح بقاؤها حاكمة لا يتمُّ إلَّا بالإرهاب أخذت تقضي على من
كانت تظنُّ أنه مخالفٌ لها ولو كان من أشدِّ خَدَم الثورة الفرنسية إخلاصًا.
واليعاقبةُ هم الذين قاموا بالحكم حتى أواخر عهد الديركتوار، وقد كانت غايتهم،
في نهاية الأمر، أن يحافظوا - مع السلطة - على ما جَمَعُوه من المال عن طريق النهب
وسفك الدماء، والذي جعلهم يفاوضون ناپليون على إسقاط مجلس النواب هو إقراره
إياهم على تلك الغاية التي لم يعترف لويس الثامن عشر لهم بها.
ولكن كيف استطاعت حكومة شديدة الاستبداد ثقيلة الوطأة، مثل تلك الحكومة،
أن تبقى سنين كثيرة؟ لم يتم لها هذا البقاء بتأثير الديانة الثورية في النفوس وإلزام
الناس ذلك الحكم ظلمًا وعدوانًا فقط، بل تم لها البقاءُ أيضًا لانتفاع جزء غير يسير
من الشعب بذلك الاستمرار، فبعد أن جردت تلك الثورة الملك والأشراف والإكليروس من
سلطتهم منحت أبناء الطبقة الوسطى والفلاحين ما كانت الطبقات الممتازة السابقة
مستولية عليه من الوظائف والأموال، وجعلتهم بذلك من أعظم أنصارها، وصار هؤلاء
يخشون استرجاعها منهم إذا أعُيدت الملكية.
لهذه الأسباب استطاعت تلك الحكومة أن تدوم إلى أن ظهر قائد قادر على إرجاع
النظام وَعَدها بإقرار ما نشأ عن الثورة الفرنسية من المكاسب الأدبية والمادية.
استقبل بوناپارت الذي حقق هذه الأماني بحماسة، وأقر تلك المكاسب المادية
والأدبية في نظم وقوانين، ولذلك أخطأ من قال إن الثورة الفرنسية انتهت بارتقاء
بوناپارت، فهو لم يقضِ عيها، بل وطد أمرها.