فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 143

مشكلة التوفيق بين المساواة الديموقراطية والتفاوت الطبيعي من أصعب مشاكل الوقت

الحاضر، وليست أماني الديموقراطية مجهولة لدينا، فلنبحث عن جواب الطبيعة عن

هذه الأماني.

اصطدمت المبادئ الديموقراطية، التي زعزعت العالم منذ عصر البطولة اليونانية،

بما نشأ عن الطبيعة من التفاوت، والمؤلفون الذين قالوا مع هلفيسيوس إن التفاوت

بين الناس صادر عن التربية قليلو العدد؛ فالطبيعة لا تعرف المساواة، وقد وزعت

أمور العبقرية والحسن والصحة والقوة والذكاء توزيعًا مختلفًا، ولا تقدر النظريات على

تحويل هذا الاختلاف، فستظَلُّ المذاهب الديموقراطية محصورة في مجال الألفاظ حتى

اليوم الذي ترضى فيه نواميس الوراثة بتوحيد أهليات الناس.

وهل يجوز أن نفرض أن المجتمعات تستطيع أن تصنع المساواة التي أنكرتها

الطبيعة؟ استمر بعض النظريين على القول إن التربية قادرة على إحداث مساواة عامة،

ولكن التجارب التي وقعت في عدة سنين أثبتت ضعف نظرهم.

ويستحيل على الاشتراكية - عند انتصارها - أن تقيم دعائم المساواة بقضائها

على أفاضل الناس، ولا يصُعب إدراك مصير أمة أهلكت صفوتها في زمن تتقدم فيه الأمم

المجاورة بما عندها من خيار الرجال.

وليس أمر الطبيعة مقتصرًا على عدم إقرارها بالمساواة، بل إنها أوجبت تقدم

العالم بما أدت إليه من التفاوت الزائد، وهذا التفاوت هو الذي أوجد، من خلايا الأدوار

الجيولوجية، أناسًا غيَّرت اكتشافاتهم وجه الأرض.

ويشاهد مثل ذلك في المجتمعات، فالديموقراطية التي تصطفي أذكياء الشعب تؤدي

-في نهاية الأمر - إلى وجود أريستوقراطية ذهنية مخالفة لحلم النظريين بخفض

عناصر المجتمع الراقية إلى مستوى عناصره الدنيا.

والآن يشاهد الناس أنه كلما حاولت القوانين والنظم مساواة الأفراد زاد تقدم

الحضارة تفاوتهم، فقد كان الفرق الذهني بين الأمير الإقطاعي والفلاح ضئيلًا في العهد

السابق، ولكنه أصبح عظيمًا بين العامل والمهندس في هذه الأيام، وهو آخذ في الزيادة.

وصارت الأهلية عاملًا أساسيٍّا للرقيِّ، فذوو الأهلية من كل طبقة يصعدون،

والعاطلون منها يقفون أو ينزلون، وما تفعل القوانين في مقتضيات الزمن التي لا مفر

منها؟

ومن العبث أن يزعم فاقدو الأهلية أنهم أصحاب القوة لكثرة عددهم، فالقضاء على

ذوي الأدمغة العالية التي تفيد العمال بمباحثها يوقع العمال في الفاقة والفوضى.

وما لصفوة الناس من الشأن العظيم في المدنيات الحديثة واضح لا يحتاج إلى

إثبات، فعند الأمم المتمدنة والأمم المتأخرة طبقة متوسطة متماثلة، وإنما الذي يجعل

الأمم المتمدنة أعلى من الأمم المتأخرة هو ما عند الأمم المتمدنة من صفوة لا نظير لها عند

الأمم المتأخرة، وقد أدركت الولايات المتحدة ذلك فأغلقت أبوابها دون عمال الصين الذين

يتصفون بأهلية كالتي عند عمال أمريكة ويزاحمونهم في ميدان الصناعة بأجور بخسة.

يزيد النفور بين العوامِّ والخواص كل يوم، ومع أن الاحتياج إلى الخواص لم يشتد

في وقت اشتداده في زماننا، فإن الصبر على هذا الاحتياج لم يصعُب في دور مثل صعوبته

في الدور الحاضر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت