فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 143

الباب الثالث

النزاع بين المؤثرات الوراثية والمبادئ

الثورية

الفصل الأول

تقلص الفوضى-حكومة الديركتوار

كانت حكومة الديركتوار تتألف من ثلاثة مجالس، منها مجلسان اشتملا على كثير من

النواب، وأما المجلس الثالث فقد كان صغيرًا مؤلفًا من خمسة مديرين، وكان المجلسان

الكبيران يشبهان مجلس العهد بضعفهما، نعم، إنهما لم يسيرا مثله مع الفتن الشعبية

التي قاومها مجلس المديرين بيد حديدية، ولكنهما كانا يذعنان لأوامر هؤلاء المديرين

المطلقة إذعانًا تامٍّا.

ولما أعيا الاستبداد اليعقوبي جميع الناس رأى ذانك المجلسان الكبيران أن يعمرا

فرنسة التي عمها الخراب وأن يقيما حكومة دستورية غير مستبدة، غير أن الأقدار

الثورية التي كانت فوق عزيمة الرجال جعلت أعضاءهما - مع ما فيهم من صدق نية

-يفعلون خلاف ما يريدون، فقد رجوا أن يكونوا معتدلين فظهروا بمظهر الأشداء،

ورغبوا أن يقضوا على نفوذ اليعاقبة فاقتدوا بهم، وحلموا أن يصلحوا ما خرب فزادوه

ضغثًا على إبالة، وتمنوا أن يعم السلم الدينية فاضطهدوا الكهنة، وأعملوا السيف في

رقابهم بأشد مما وقع أيام الهول.

وبعكس ذلك كانت نفسية المجلس الصغير المؤلف من خمسة مديرين، لقد كانت

مواجهته للمصاعب اليومية تدفعه إلى حلها مع أن ذينك المجلسين النيابيين اقتصرا على

إبداء الرغائب لبعدهما من الحقائق.

وكان المديرون - وهم الذين لم يكترثوا للمبادئ - يحبون أن يبقوا سادة، وكانوا

يأتون، لهذا الغرض، أقسى الأعمال وأكثرها مخالفة للقانون، ولكنهم، وإن استطاعوا

بظلمهم أن يتسلطوا على البلاد، لم يحسنوا سياستها، وحسن السياسة هو أشد ما كانت

تحتاج إليه.

روح الثورات والثورة الفرنسية

اشتهرت حكومة العهد في التاريخ بشدتها، وحكومة الديركتوار بضعفها مع أن

من الثابت أن الثانية كانت أقوى من الأولى، ويتضح ما بين حكومة الديركتوار وحكومة

المجالس السابقة من الفروق، ما يأتي:

من الممكن أن تشتد الحماسة في مجلس يضم ستمئة عضو أو سبعمئة عضو كما

حدث في ليلة 4 من أغسطس، وأن تدفعه شدة العزيمة إلى شهر الحرب على الملوك كلهم،

ولكن هذه الاندفاعات لا تكون قوية لعدم استمرارها، وأما المجلس المؤلف من خمسة

أعضاء وبالمتغلب عليه أحد أعضائه فيكون ذا عزيمة مستمرة، أي ذا ثبات في سيره،

ومن هذا النوع مجلس المديرين الخمسة الذي كان ذا إرادة قوية، فلم يبال بالقانون

ولا بأبناء الوطن ولا بالمصلحة العامة، والذي أثقل كاهل فرنسة باستبداد لم تأت مثله

حكومة ظهرت منذ بدء الثورة الفرنسية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت