فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 143

كانت محاكم الثورة الفرنسية أيام الهول الأكبر واسطة قهر وإكراه، وقد أقيمت في

فرنسة محاكم ثورة كبيرة عدا محكمة باريس الثورية التي سعى لإنشائها دانتون، قال

تاين:

أقيمت في فرنسة 187 محكمة ثورية، منها 40 محكمة كانت تحكم بالقتل،

وكانت تنفذ أحكامها في مكان الحكم حالًا، وقد حكمت محكمة باريس على

2625 نفسًا بالموت، ولم يكن قضاة المديريات أقل نشاطًا من قضاة باريس

في الحكم، فقد قصلوا في مدينة أورانج الصغيرة رأس 331 نفسًا، وقصلوا

في مدينة آراس رأس 223 رجلًا ورأس 93 امرأة، وقصلوا في مدينة ليون

رأس 1684 نفسًا، وبلغ مجموع الذين قُصلت رؤوسهم 17000 نفس، منهم،

1200 امرأة، وكثيرات منهن كن مجاوزات سن الثمانين.

ولا يخفى أن هنالك جمعًا كبيرًا من المتهمين قتلوا من غير محاكمة في شهر سپتمبر،

أي قبل إنشاء محكمة باريس الثورية التي قصلت رؤوس 3625 نفسًا، وكانت محكمة

باريس الثورية تقتصر- كما أشار فوكيه تن?يل في أثناء محاكمته - على تنفيذ الأوامر

التي كانت تتلقاها من لجنة السلامة العامة، وهي - وإن سارت في البُداءة وفق القانون

ظاهرًا - لم تلبث أن أهملت ذلك، فألغت الدفاع وسماع الشهود ومناقشتهم، وصارت

تحكم على الناس بالشبهات، ثم اقترح فوكيه تن?يل أن تنصب المقصلة في دائرة المحكمة

لكي تنفذ الأحكام فورًا.

وكانت تلك المحكمة ترسل المتهمين - الذين وقِفوا لما بين الأحزاب من حقد -

إلى المقصلة على السواء، ولسرعان ما صارت هذه المحكمة آلة ظلم في قبضة روبسپير

السفاك، وعندما حكمت على أحد مؤسسيها، دانتون، بالقتل سأل لله والناس العفو قبل

أن يصعد في المقصلة لمعاونته على إنشائها، وهي لم تصفح عن أحد سواء أكان الداهية

لا?وازيه أم الحكيم لوسيل ديمولان أم النبيل الفاضل مالزيرب. قال بنيامين كنستان

مشيرًا إليها:

تم قتل كثير من أصحاب القرائح السامية على يد أدنى الناس وأشدِّهم غباوةً.

ويجب لتسويغ ما اقترفته المحاكم الثورية من المظالم، أن نذكر النفسية الدينية التي

كانت عند اليعاقبة الذين أسسوها وأداروها، فقد ظن روبسپير وسان جوست وكوتون

وغيرُهم ممن قاموا بها أنهم يحسنون إلى الجنس البشري بقضائهم عن طريقها على

الخوارج وعلى أعداء معتقدهم الذي كانوا يزعمون أنه يجدد العالم.

ولم يكن الذين قتلوا أيام الهول الأكبر من الأشراف والإكليروس فقط، بل قصلت

رؤوس أربعة آلاف من الفلاحين وثلاثة آلاف من العمال، وإذا اعتبرنا ما ينشأ عن إعدام

رجل واحد من الأثر في النفوس اعتقدنا أن قتل كثير من الناس يؤثر فيها تأثيرًا عظيمًا،

غير أن العادة أرهقت الحواس فلم ينتبه الناس كثيرًا إلى ما كان يقع، وكانت الأمهات

يَقُدْنَ أولادهن ليشاهدوا قصل الرؤوس كما يَقُدْنَهم اليوم إلى دور الألعاب، وقد أوجبت

مناظر القتل الكثيرة عدم اكتراث الناس للموت، فصعدوا كلهم في المقصلة رابطي الجأش،

وعلا الجيرونديون درجاتها وهم ينشدون نشيد المرسلياز.

نشأ هذا التسليم عن ناموس العادة المسكِّن لانفعالات النفس، ودليلُنا على أن منظر

المقصلة لم يرهب أحدًا ما وقع من الفتن الملكية الكثيرة، فكانت هذه الفتن تحدُث كأن

الهول لم يخف إنسانًا، ولا يصير الهول طريقة نفسية مؤثرة إلَّا إذا قصُر دوامه، فالهول

الحقيقي يكون بالوعيد والإنذار أكثر مما بالتنفيذ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت