فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 143

ألغى مجلس العهد الملكية في سبتمبر سنة 1792 وأعلن الجمهورية مع تردد فريق كبير

من أعضائه العالمين أن الولايات ملكية، وهو - لاعتقاده أن هذا الإعلان يحوِّل العالم

المتمدن - وضع تقويمًا جديدًا ظانٍّا أن السنة الأولى من تاريخه تكون فجرًا لعالم يسود

العقل، وكانت محاكمة لويس السادس عشر التي أوحت بها الجمعية الثورية فاتحة تلك

السنة.

وساد الجيرونديون - الذين كانوا على شيء من الاعتدال، إذا قيسوا بغيرهم -

مجلس العهد في البداءة فانتُخب رئيسه وكتابه منهم، ولم يكن لروبسپير، الذي صار

بعدئذ سيد مجلس العهد المطلق، سوى نفوذ ضئيل في ذلك الحين، فلم ينل سوى ستة

أصوات في انتخاب الرئاسة مع أن بيسون انتُخب رئيسا ب 235 صوتًا.

ولم تلبث سلطة المونتانيار الصغيرة في البداءة أن عظمت فلم يبقَ للمعتدلين مكان

في مجلس العهد، فقد جعل المونتانيار مجلس العهد الذي هم أقلية فيه يتهم لويس

السادس عشر، فتم لهم بذلك انتصار على الجيرونديين وقضاءٌ على الملكية وفصل بين

النظام الجديد والنظام القديم.

وقد برعوا في تدبير تلك التهمة، إذ جعلوا المديريات تمطر مجلس العهد بعرائض

طالبة فيها محاكمة الملك، وأرسلوا إليه بعثة من الجمعية الثورية الپاريسية لهذا الغرض،

وأذعن مجلس العهد، فاتهم الملك من غير مقاومة سائرًا على سُنة المجالس الثورية التي

تخضع أمام الإنذار والوعيد فتفعل خلاف ما تريد.

دفع الخوف الجيرونديين، الذين لم يريدوا قتل الملك وهم منفردون، إلى الحكم

عليه بالقتل وهم مجتمعون، وقد وافق خال لويس السادس عشر، دوك دورليان، على

ذلك طمعًا بنجاة نفسه، ولو كان عند لويس السادس عشر قدرة يكشف بها المستقبل

كالقدرة التي نعزوها إلى الآلهة لرأى وهو صاعد في المقصلة أن نصيب أكثر الجيرونديين،

الذين لم يستطيعوا أن يدافعوا عنه لضعفهم، سيكون مثل نصيبه.

ولو نظرنا إلى قتل الملك من حيث فائدته لرأينا أنه عمل جنوني قامت به الثورة

الفرنسية، فقد أحدث حربًا أهلية وأقام أوربة ضدنا وأوجب منازعات في مجلس العهد

أدت إلى انتصار المونتانيار وطرد الجيرونديين.

وبلغت مظالم المونتانيار مبلغًا أوجب عصيان ستين مديرية في الغرب والجنوب،

وقد كاد هذا العصيان، الذي كان يقوده كثير من النواب المطرودين، ينجح لو لم ينشأ

عن اشتراك الملكيين فيه خوف الناس من رجوع العهد السابق، ودام هذا العصيان دوام

الثورة الفرنسية، وكان غاية في التوحش، فكان الشيوخ والنساء والأطفال يُقتلون، وكانت

القرى والمزروعات تحرق، وقد قتل في أثنائه في ?انده وحدها ما يزيد عن نصف مليون

نفس.

وعَقَبَ الحربَ الأهلية محاربةُ الأجنبي، وظن اليعاقبة أنهم يدرأون هذه الأضرار

بوضعهم دستورًا جديدًا، فسن مجلس العهد دستورين؛ أحدهما سنة 1793، والثاني

سنة 1795، ولا غرو، فمن تقاليد المجالس الثورية أن تعتقد سحر المراسيم غير معتبرة

بحبوط التجارب الماضية، قال أحد أكابر المعجبين بالثورة الفرنسية مسيو رانبو:

اعتقد ذوو الإيمان القويم من أعضاء مجلس العهد أنهم بصوغهم مبادئ

الثورة الفرنسية في قالب قانون يُدهِشون خصومهم فيهدُونهم ويُخمدون

ثائرهم.

وكان مجلس العهد يحتوي عددًا غير يسير من الفقهاء وأرباب الأعمال، وقد أدرك

هؤلاء أنه يستحيل على مجلس كثير العدد كمجلس العهد أن يدير حكومة فقسموه إلى

لجان مستقلة كلجنة الأشغال العامة ولجنة الاشتراع واللجنة المالية واللجنة الزراعية

واللجنة الفنية ... إلخ، ثم أخذت هذه اللجان تهيئ لوائح قانونية ليوافق عليها المجلس

في جلساته العامة، والفضل يرجع إلى هذه اللجان في جعل أعمال المجلس غير هادمة

تمامًا، فقد أتت أمورًا كثيرة النفع كإنشاء المدارس العالية والمقياس المتري، وكان أكثر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت