فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 143

اصطلحتُ على تعبير «النفسية اليعقوبية» ، مع أنه لم يسبقني أحد إليه في أي تقسيم

كان؛ لدلالته على نوع نفسيٍّ خاص.

فقد سادت هذه النفسية رجال الثورة الفرنسية، ولا تزال مؤثرةً في سياستنا

الحاضرة.

زعم اليعاقبة أنهم عاطلون من خُلُق التدين وأن العقل يسيرهم، وقد كانوا

يستشهدون بالعقل أيام الثورة الفرنسية ويتخذونه هاديًا مرشدًا.

وقد رأي أكثر المؤرخين أن الروح اليعقوبية تنزع إلى المعقول، وذهب تاين إلى هذا

الرأي الفاسد فعزا كثيرًا من أعمال اليعاقبة إلى مغالاتهم في المعقولات، غير أنه جاء في

بحثه عنهم بعض الحقائق التي تستحقُّ النظر، فإليك بعضها:

لم تكن عزة النفس والعقل النظريُّ بالشيء النادر عند البشر، ففي أيِّ بلد

نراهما، وهما مصدر الروح اليعقوبية، لا يفنيان، ومتى بلغ عمر المرء عشرين

سنة فدخل معترك الحياة استحوذ الغمُّ على عقله وزهوه فاعتبر المجتمع الذي

نبت فيه حاجزًا يحول دون تقدم عقله النظريِّ، والمجتمع قد أوجدته الأجيال

المتعاقبة على حسب احتياجاتها الكثيرة المتحولة، أي أنه لم يكن من صنع

المنطق، بل من صُنع التاريخ كما هو معلوم، ثم يهزُّ ذلك المبتدئ كتفيه هازئًا

بهذا البناء الاجتماعي الهرِم الذي لم يقم على نظام والذي يبدو عليه الرتق

والترقيع.

انظروا إلى أحسن ما أنتجته قرائح أولئك الرجال، أي إلى خطب روبسپير

وسان جوست وإلى مناقشات المجلس الاشتراعي الأول ومجلس العهد وإلى

أقوال الجيرونديين والمونتانيار وإلى مناشيرهم وتقاريرهم تروا أنهم أتوا فيها

بأكثر الكلام للتعبير عما يتطلب أقله، وأن تعقلهم كان يغرق في بحر طام من

الألفاظ المفخمة، فاليعقوبي يسير وراء ما يدور في دماغه المتعقل من الأوهام

والخيالات التي هي عنده أكثر من غيرها ولا يعبأ إلَّا بما توحيه إليه فيصرخ

بين الناس كما يهتف في موكب النصر.

وإني، وإن كنت أعجب ببيان تاين، لا أعتقد أنه فهم نفسية اليعقوبي تمامًا.

فروح اليعقوبي الحقيقي - سواء أفي أيام الثورة الفرنسية أم في أيامنا - تتألف

من عناصر يجب تحليلها لإدراك شأنها.

يدلنا هذا التحليل على أن اليعقوبي معتقد غير متعقل، وأنه لا يؤسس معتقده على

العقل، بل يسكب العقل في قالَب معتقده، وأن خطبه، وإن كانت مشبعة من العقليات،

لا يسير عليها إلا قليلًا، ولو كان اليعقوبيُّ يتعقل بنسبة ما يلام عليه من التعقل لأجاب

نداء العقل في بعض الأحيان، وقد دلتنا المشاهدة، منذ عهد الثورة الفرنسية، على أن

العقل مهما كان سديدًا لم يؤثر فيه قط، وهذا هو سر منعته، والسبب في عدم تأثير

العقل فيه هو أن ما فيه من قصر النظر لا يسمح له بمقاومة اندفاعاته العاطفية المسيِّرة

له.

ولا تتألف النفسية اليعقوبية من هذين العنصرين - أي العقل الضعيف والعواطف

القوية - وحدهما، بل تتألف من عنصر آخر أيضًا، فاليعقوبيُّ الحقيقيُّ ذو معتقد

راسخ، والعاطفة تدعم المعتقد ولا تنشئه، فما ركن هذا المعتقد؟ هنا يبدو لنا عنصر

التدين الذي بحثنا فيه سابقًا، فاليعقوبي متدين أقام مقام آلهته القديمة آلهةً جديدة،

أي بما أنه كان للألفاظ والصيغ سلطان قوي على نفسه فإنه يعزو إليها قوة إلهية، ولا

يتأخر في سبيل خدمة هذه الآلهة الكثيرة الطلب عن اقتراف أقسى الأعمال، والدليل على

ذلك ما سنَّه اليعاقبة في الوقت الحاضر من القوانين.

وتظهر النفسية اليعقوبية عند ذوي الخلق الضيق الحمس على الخصوص، وتتضمن

هذه النفسية فكرًا قاصرًا عنيدًا لا يؤثر النقد فيه، وما تغلَّب على الروح اليعقوبية من

التدين والعاطفة يجعل اليعقوبي كثير السذاجة، وهو لعدم إدراكه من الأمور غير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت