فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 143

في سبيل نشر معتقدهم، واحدة حينما يصيرون سادة.

إذن، من الطبيعي أن يكثر عدد المعجبين بروبسپير والناسجين على منواله، وهو

وإن قُطع رأسه بالمقصلة لم تقطع مداركه، ولا تزول المدارك التي نشأت مع الإنسان إلا

بزوال آخر المعتقدين.

لم ينتبه أكثر المؤرخين إلى وجه الثورات الدينيِّ، وسوف يستمرون على عزوهم

كثيرًا من الحوادث إلى المنطق العقلي البعيدة منه، وقد ذكرت في فصل سابق عبارة لمسيو

لافبس ولمسيو رانبو قالا فيها إن ثورة الإصلاح الديني «نتيجة تأملات فردية أورثها

قلوب البسطاء عقل مقدام.»

فلا يمكن إدراك هذه الثورات إذا ظن أن مصدرها العقل، فللمعتقدات التي أقامت

العالم وأقعدته، سواء أدينية كانت أم سياسية، مصدر واحد، وكلها سار على سنة

واحدة، أي أنها لم تتمَّ بالعقل، وكثيرًا ما تمت خلافًا لكل عقل، نعم يظهر أن البُدهية

(البوذية) والنصرانية والإسلام والإصلاح الديني والسحر واليعقوبية والاشتراكية والمذهب

الروحاني معتقدات متباينة، ولكنني أقول مؤكدًا: إن لها دعائم عاطفية ودينية واحدة،

وتتبع منطقًا لا علاقة بينه وبين المنطق العقلي، وقوتها ناشئة عما للعقل من التأثير

الضئيل في تكوينها وتحويلها.

وقد فصلت نفسية رسلنا السياسيين الدينية في الوقت الحاضر في مقالة نشرت في

إحدى الجرائد الكبيرة، جاء في هذه المقالة التي تمسُّ أحد وزرائنا السابقين: «يسألون

عن الفرقة التي ينتسب إليها مسيو فلان، هل هو من فرقة الملحدين؟ فيا للسخرية!

نسمع، مع عدم اختياره أي إيمان وضعي ولعنِه رومة وجني? أنه يجحد بالعقائد

التقليدية، ويكفُر بالكنائس المعروفة، فهو إن جعل الصفيحة هكذا ملساء فذلك ليقيم

عليها كنيسته الخاصة التي هي ذات بدعٍ أكثر من كل كنيسة، ولن تقل محكمته

التفتيشية في شدة تعصبها وعدم تسامحها عن أشهر محاكم توركمادة.»

«وصرح بأنه لا يرضى عن حرية التعليم، وبأنه يطلب أن يكون التعليم زمنيٍّا من

كل وجه، وهو إن لم يقل بالإحراق فذلك لاضطراره إلى مداراة نشوء العادات والطبائع،

وهو لعجزه عن قتل الناس يستعين بالقوة الزمنية للحكم على المذاهب كلها بالموت، وقد

بلغت حرية الفكر فيه مبلغًا جعله يقول إن كل فلسفة لا يرضى عنها مجرمة أثيمة

موجبة للهزء والسخرية، وهو يزعم أنه اطَّلع على الحقيقة المطلقة، وأوجب اعتقاده هذا

أن يعتبر كل من يخالفه غولًا شنيعًا وعدوٍّا فظيعًا. فمسيو فلان - كما يظهر - من

أشياع آلهة العقل التي تُشبِه الإله مُولَك الظالم في تعطشها إلى القرابين البشرية.»

«ألا إن الأماني خلابة، وكم من أصنام حطمت منذ بضعة قرون تمهيدًا للسجود

أمام صنم حديث.»

وبما أن سلطان العقل على المعتقدات الدينية قليل فقد أصبح من اللغو أن تجادل

-كما يفعل بعض الناس - فيما للمبادئ الثورية والسياسية من القيمة العقلية،

وتأثيرها وحده هو الذي يهمنا، وسواءٌ علينا أكذَّبت التجربة نظرية المساواة ونظرية

الصلاح الفطريِّ ونظرية تجديد المجتمع بالقوانين أم لم تكذبها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت