لم ينتشر هذا الإيمان بالخطب والبراهين العقلية، بل بالعناصر التي بحثنا عنها في كتابنا
السابق، أي بالتوكيد والتكرار والعدوى النفسية والنفوذ، وقد انتشرت الأفكار الثورية
بعد ذلك في فرنسة على هذه الطريقة أيضًا.
وساعد الاضطهاد على هذا الانتشار، إذ نشأ عن كل حادثة قتل دخول أناس في
المذهب الجديد، فلما سيقَ القاضي المحكوم عليه بالإحراق، إندنبرغ، إلى النار سار إليها
وهو يحث الجماعة على اعتناق مذهبه، وقد قال أحد الرواة إن عدد الپروتستان زاد بين
طلاب المدارس بفعل جلده وصبره أكثر مما بكتب كال?ن.
وكانوا يقطعون ألسنة المحكوم عليهم بالإحراق خوفًا من أن يخاطبوا القوم، وقد
زاد التعذيبَ هولًا تقييدُ الضحايا بسلاسل من حديد؛ لإدخالهم في النار وإخراجهم منها
مرات كثيرة.
كل ذلك لم يثن الپروتستان عن مذهبهم الجديد مع أنهم كانوا يوعدون بالعفو بعد
أن تمسهم النار.
ولما عدل فرنسوا الأول عن تسامحه سنة 1535 أمر بإضرام الوقيد في ستة مواقد
في باريس، وقد اكتفى رجال العهد بمقصلة واحدة فيها كما هو معلوم، وقد ظهر أن
العذاب لم يكن أليمًا عند المؤمنين، حتى إنه شوهد قبل ذلك عدم شعور شهداء المسيحية
بالعذاب لتنويمه إياهم، ومن المسائل المعروفة في الوقت الحاضر أن بعض طرق التنويم
تبطل الحس تمامًا.
والخلاصة: أن انتشار ذلك المذهب كان سريعًا، ففي سنة 1560 أصُلحت ألفا
كنيسة في فرنسة وانتحله كثير من الأمراء الذين كانوا لا يبالون به إلا قليلًا في بدء الأمر.