فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 143

والمجلس التأسيسي، الذي أظهر غطرسة أمام الملك، كان كثير الجبن تجاه الشعب،

فقد وافق في الليلة الرابعة من شهر أغسطس بالإجماع على اقتراح الشريف الكونت

دونواي القائل بإلغاء حقوق الأمراء الإقطاعيين راجيًا بذلك ختام المشاغبة، وقد تمت

هذه الموافقة الإجماعية التي ألغيت بها امتيازات الأشراف دفعة واحدة وأعضاء المجلس

يتعانقون باكين من شدة الفرح، ويتضح لنا مثل هذا العارض الحماسي عند النظر إلى

فعل العدوى النفسية في الجماعات، ولا سيما في المجالس التي استحوذ عليها الخوف.

ولو أقلع الأشراف عن امتيازاتهم قبل ذلك ببضع سنين لاجتُنبت الثورة الفرنسية،

ولكن ما العمل وقد وقع ذلك بعد أوانه، ولا يفيد ترك الحقوق كرهًا غير زيادة رغائب

من تركت لأجلهم، فيجب في عالم السياسة كشف عواقب الأمور ومنح المطاليب طوعًا

قبل أن يحل الوقت الذي تمنح فيه كرهًا.

تردد لويس السادس عشر مدة شهرين في الموافقة على قرار المجلس التأسيسي الذي

أصدره ليلة 4 من أغسطس، ثم ذهب إلى فرساي فساق إليه الزعماء عصابة لا تقل عن

سبعة آلاف شخص، فكسرت هذه العصابة حواجز القصر الملكي وقتلت بعض الحراس،

وجيء بالملك وأسرته إلى باريس بين جماعة تصرخ وأناس يحملون على رؤوس حرابهم

هامات قتلى الحرس.

عظمت شوكة الشعب وأصبح الملك قبضته، أي تحت رحمة الأندية وزعمائها،

ودامت هذه الشوكة الشعبية عشر سنين فكانت ركن الثورة الفرنسية الرَّكين.

وعلى رغم إعلان المجلس التأسيسي مبدأ سيادة الشعب جاوزت الفتن الشعبية حدَّ

ظنونه فرأى أنه، بوضعه دستورًا يضمن للناس سعادة أبدية، يعودُ الجميع إلى النظام.

كان سن القوانين ثم نقضها ثم تجديدها شغل المجالس أيام تلك الثورة، وكان ذلك

ناشئًا عن اعتقاد أعضاء هذه المجالس أن القوانين قادرة على تحويل المجتمعات، ومن

هذه القوانين البلاغ الذي نشره المجلس التأسيسي ولخص فيه مبادئه في حقوق الإنسان

ريثما يضع دستور البلاد.

ولم يؤثر الدستور والبلاغات والخطب في الفتن الشعبية، وقد عانى المجلس التأسيسي

الذي دبَّ الشِّقاق فيه استبداد الحزب المتطرف المستند إلى الأندية، فقد كان أصحاب

النفوذ من الزعماء - كدانتون وكامبل ديمولان ومارا وإيبر - يهيجون الرَّعاع بخطبهم

وجرائدهم فيتسلطون بذلك على المجلس التأسيسي.

ولم تتحسن مالية البلاد في أثناء هذه الفتن، فأمر المجلس التأسيسي في 2 من

نوفمبر سنة 1789 أن يعالجها بالاستيلاء على أملاك الكنيسة، وقُدِّرت محاصيل هذه

الأملاك والزكاة التي كانت تأخذها الكنيسة من المؤمنين بمبلغ مئتي مليون وقُدِّر ثمنها

بمبلغ ثلاثة مليارات، وكانت محاصيل هذه الأملاك توزع على بضع مئات من الأساقفة

وإكليروس البلاط، فجعلت هذه الأملاك - التي سُمِّيت فيما بعد الأملاك الوطنية -

ضمانًا للأوراق النقدية، وصدر في المرة الأولى من هذه الأوراق أربعمئة مليون فأقبل

عليها الجمهور في البداءة، ولكن مقدارها زيد في دور العهد ودور الديركتوار فبلغ 45

مليارًا فأصبحت ورقة الليرة لا تساوي سوى بضعة سنتيمات.

ولويس السادس عشر الضعيف أغرته حاشيته فحاول، عبثًا، ألا يوافق على قرارات

المجلس التأسيسي، وتألفت في المدن والقرى بلديات ثورية يخفرها حرس وطني محلي،

وكانت المدن المجاورة تتفق على الدفاع عن نفسها عند الحاجة، وأرسلت هذه المدن في

14 من يوليه سنة 1790، حرسًا وطنيٍّا مؤلفًا من 14000 رجل إلى حي شاندومارس

في باريس حيث أقسم الملك يمين الإخلاص للدستور الذي سنَّه المجلس الوطني.

وعلى رغم هذه اليمين تعذر الائتلاف بين مبادئ الملكية الوراثية والمبادئ التي أعلنها

المجلس، فالتجأ الملك إلى الفرار، فقُبِضَ عليه في فارين، وسيق إلى باريس أسيرًا، فأسُكِن

قصر التويلري، ومُنِع من التصرف في سلطته، وأخذ المجلس التأسيسي على عاتقه القيام

بأمور الحكومة، وما وُجد ملك في موقف حرج كموقف لويس السادس عشر، الذي تخلى

الجيش عنه بعد فراره، ولو كان له دهاء ريشليو ما كفاه لخروجه من هذا المأزق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت