نعم، لم تكفِ روح النقد في الكتاب والأشراف لزعزعة أثقال التقاليد، ولكن تأثيرها
دُعم بمؤثرات قوية أخرى، وقد قلنا آنفًا إن الحكومة الدينية والحكومة المدنية في الدور
السابق كانتا موصولتين إحداهما بالأخرى وصلًا وثيقًا، فكان صدم الأولى يصيب الثانية
بحكم الضرورة، والآن نقول: إن التقاليد الدينية عافتها نفوس المتعلمين قبل أن يتزعزع
المبدأ الملكي، وذلك بسبب تقدم العلم الذي أوجب انتقال النفوس من عالم اللاهوت إلى
عالم العلم.
فالناظر كان يشعر - بفعل هذا النشوء - بأن التقاليد التي قادت الناس قرونًا
كثيرة ليست ذات قيمة، وأن من الضروري تبديلها، ولكن أين كان يبحث عن عصا
السحر القادرة على إقامة بنيان اجتماعي جديد مقام البُنيان السابق؟
وقع الإجماع على وصف العقل بالقدرة التي خسِرتها الآلهة والتقاليد، وهل كان
يُشَك في قدرته على تحويل المجتمعات وهو الذي كثرت اكتشافاته؟ هكذا عظم شأن
العقل في النفوس وتضاءل شأن التقاليد.
والمبدأ، الذي أسند تلك القدرة إلى العقل، وأوقد نار الثورة الفرنسية، وَسَيَّرها من
أولها إلى أخرها، هو الذي استعان به الناس على تحطيم قيود الماضي وإقامة مجتمع
جديد.
ويلَخَّص ما هبط ببطء إلى الشعب من نظريات الفلاسفة أن جميع ما عُدَّ في الماضي
محترمًا أصبح غير جدير بالاحترام، وأنه لم يبقَ محل لإطاعة السادة السابقين وعدم
تعدي الحدود.
كانت مجاوزة الناس للحدود أول نتيجة لهذه النفسية الجديدة، وقد ذكرت مدام
فيجيلبران أن العوام كانوا في متنزه لونشان يرتقون إلى مرقى العربات قائلين»: ستكونون
في العام القادم خلفنا ونكون نحن في العربات. «
لم يكن أمر مجاوزة الحدود والاستياء خاصٍّا بالعوام، بل كان شاملًا للجميع قبيل
الثورة الفرنسية، قال تاين:
كان صغار الإكليروس حاقدين على كبارهم، وكان أشراف الولايات حاقدين
على الأشراف المقربين، وكان صغار الأمراء الإقطاعيين حاقدين على كبرائهم،
وكان سكان القرى حاقدين على سكان المدن.
ثم استولت تلك الحالُ النفسية، التي انتقلت من الأشراف والإكليروس إلى الشعب،
على الجيش أيضًا، قال نيكر حين افتتاح مجلس النواب»: لسنا واثقين بالجيوش «، وأما
الضباط فأصبحوا من أنصار المذهب الإنساني، وأخذوا يشتغلون بالفلسفة، وأما الجنود
فكانوا لا يطيعون وإن لم يشتغلوا بالفلسفة، وذلك لدلالة مبادئ المساواة في مداركهم
السخيفة على بُطلان الرئاسة والطاعة.
وبعد أن استولت الفوضى النفسية على طبقات المجتمع، ومنها الجيش، أوجبت زوال
النظام السابق، قال ريفارول:
إن الذي قضى على الملكية هو تخلي الجيش عن الملك، وانتحال الجيش مبادئ
الطبقة الثالثة.