فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 143

وإننا - حذرًا من بطش القوانين - لا نسلط هذا الخلق الموروث إلَّا على الحيوانات

في الأوقات العادية، فمتى بطل عمل هذه القوانين لم نلبث أن نسلطه على الإنسان أيضًا،

والذي به قطع روبسپير في باريس وحدها 1373 رأسًا في تسعة وأربعين يومًا، وكف

زملاؤه عن النوم في بيوتهم فرَقًا منه، وصار عدد من يحضر الجلسات من النواب لا

يزيد على المئة.

وزيادة اعتماده على نفسه وعلى جبن أعضاء مجلس العهد أوجبت هلاكه، فلما

أراد أن يحملهم على سن قانون يجوِّز سوق النواب إلى المحكمة الثورية ومنها إلى

المقصلة من غير أن يأذن المجلس في ذلك ائتمر كثير من أعضاء حزب المونتانيار وحزب

الپلين به ليسقطوه، فاتهمه تاليان، الذي أحس دنو أجله وأنه ليس لديه ما يخسره،

بالبغي والطغيان، فأراد روبسپير أن يدافع عن نفسه فخنق صراخ المؤتمرين صوته

فكفى لانتكاسه تكرير كثير من الأعضاء الحاضرين - بتأثير العدوى النفسية - كلمة

«ليسقط الظالم» ،وأمر المجلس باتهامه حالًا.

ورأت الجمعية الثورية إنقاذه، ولكن مجلس العهد صرح بأنه لا يستحق حماية

القانون، قال ويليم:

كان تأثير كلمة «عدم استحقاق حماية القانون» في الرجل الفرنسي كتأثير

كلمة الوباء، فالذي كانت تقال فيه تلك الكلمة كان يحرم مدنيٍّا ويعدُّه الناس

نجسًا.

قُطِع رأس روبسپير في اليوم العاشر من شهر ترميدور(الشهر الحادي عشر من

السنة الجمهورية)، وقطع معه رؤوس عصابته البالغ عددها 21 رجلًا ومنهم سان

جوست ورئيس المحكمة الثورية ورئيس البلدية، وقطع في غد ذلك اليوم رؤوس سبعين

يعقوبيٍّا، وقطع بعد يومين رؤوس 13 يعقوبيٍّا، فانقضى بذلك دور الهول الذي دام

عشرة أشهر.

وانهيار البُنيان اليعقوبي في ذلك الشهر من الحوادث النفسية الغريبة التي وقعت

أيام الثورة الفرنسية، ولم يخطر على قلب أحد من المونتانيار الذي أسقطوا روبسپير أن

دور الهول سينتهي بسقوطه، نعم، قضى تاليان وباراس وفوشه وغيرهم على روبسپير

كما قضوا سابقًا على إيبرت ودانتون والجيرونديين وغيرهم، ولكنهم لما علموا أن الجماعة

أرادت بهتافها لقتل روبسپير زوال دور الهول ساروا كأنهم يريدون ذلك، ثم إن حزب

الپلين المؤلف من أكثرية المجلس والذي قتل روبسپير كثيرًا من أعضائه ثار على ذلك

الدور الذي هتف له زمنًا طويلًا على رغم مقته إياه، ولا أشد هولًا ممن زال الخوف عنهم

بعد استيلائه عليهم، فقد اضطهد حزب الپلين حزب المونتانيار وألقى في قلوب أعضائه

الرعب انتقامًا.

ولم يصدر تذلل زملاء روبسپير في مجلس العهد عن ميلهم إليه، ولكن هذا الحاكم

المطلق أخافهم كثيرًا، فكانوا يُخفون حقدًا شديدًا خلف ما كانوا يظهرونه نحوه من

الإعجاب والحماسة، ويظهر ذلك من مطالعة التقارير التي نشرها بعد قتله كثير من

، النواب في أعداد جريدة المونيتور الصادرة في 11 و 15 و 29 من أغسطس سنة 1794

فلم يشتم عبد سيده بعد سقوطه مثلما شُتم روبسپير وعصابته في تلك التقارير، وقد

جاء فيها:» أن أولئك الغيلان جددوا عهد مذابح ماريوس وسيلا «، وقد وُصف روبسپير

فيها بالعاتي الذي كان يبحث عن سلامة نفسه في قتل الناس بالشُبهات، والذي كان لا

يُحجم عن أن يأمر - مثل كاليغولا - الشعبَ الفرنسي بأن يعبُد حصانه لو وجد إلى

ذلك سبيلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت