قوتها من الشعب عندما يهيج، وقد لا تتم الثورات إلا إذا دعمها فريق كبير من الجيش،
فلم تأفُل الملكية في فرنسة يوم قطع رأس لويس السادس عشر، بل يوم امتنع جندُه عن
الدفاع عنه.
وقد تزول المحبة بالعدوى النفسية من الجيوش التي لا تكترث لسير الأمور إلا
قليلًا، فعندما استطاع بضعة ضباط أن يقلبوا الحكومة التركية فكَّر ضباط اليونان في
تقليدهم بتغيير الحكومة، مع أنه لم يكن شَبَهٌ بين النظامين.
وقد يمكن تغيير الحكومة بحركة عسكرية، وذلك كما يقع في الجُمهوريات الإسبانية،
ولكن مثل هذه الثورات لا تكون ذات نتائج مهمة إلا إذا صدرت عن استياء عام وآمال
كبيرة، والاستياءُ، إذا لم يكن عامٍّا شديدًا، لم يكفِ لإحداث الثورات المجدية، فمن الأمور
السهلة أن تحرَّض شرذمة من الناس على النهب والهدم والقتل، ولكنه يجب لتحريك الأمة
كلِّها أو معظمها أن يبالغ الزعماء في تجسيم الاستياء وأن يَحْمِلوا الساخطين على اتهام
الحكومة بأنها سبب الحوادث السيئة، ولا سيما الفاقة والغلاء، وأن يجعلوا الجمهور
يعتقد أن عصر السعادة سينبثق على الناس من النظام الجديد الذي يقترحونه، فمتى
تأصلت هذه الأمور في النفوس وانتشرت بالتلقين والعدوى قرُب الوقت الذي تنضج فيه
الثورة.
فعلى هذا الوجه نشأت الثورة المسيحية والثورة الفرنسية، وإذا كانت الأخيرة قد
وقعت في سنين قليلة، وتطلَّب وقوع الأولى كثيرًا من السنين، فلأن الثورة الفرنسية لم
تلبث أن دعمها الجيش مع أن الثورة المسيحية لم تنل قوة مادية إلا بعد انقضاء زمن
طويل، فالأصاغر والسِّفْلةُ والعُبْدان هم الذين كانوا أنصار المسيحية في البُداءة، ومنهم
سرت عدواها إلى الخاصة، ولما كمل انتشارها بين هؤلاء أيضًا رأى أحد الأباطرة اتخاذها
دينًا رسميٍّا للدولة، وهذا كله لم يتم إلا في وقت طويل.