نتائج البحث عن (بَكَّ ) 50 نتيجة

رَجُلٌ زَبَعْبَكٌ وزَبَعْبَكِيٌّ وهو الذي لا يُبالي ما قيل له من الشَّرِّ، وهو الفاحِشُ.
بك وأخيكالجذر: ب ك

مثال: مررت بك وأخيكالرأي: مرفوضةالسبب: لأن أكثر النحويين لم يجيزوا العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجارّ.

الصواب والرتبة: -مررت بك وبأخيك [فصيحة]-مررت بك وأخيك [صحيحة] التعليق: المشهور بين النحاة أن العطف على الضمير المجرور المتصل يقتضي إعادة الجار، كقوله تعالى: {{فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ}} فصلت/11. وأجاز بعضهم العطف بدون إعادة الجار، وقد روي على ذلك بعض القراءات القرآنية والأحاديث النبوية وبعض الشعر العربي. وعليه تصح العبارة المرفوضة، وإن لم تبلغ في قوتها درجة الفصيح.
(أَبَكَ)الْهَمْزَةُ وَالْبَاءُ وَالْكَافُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ السِّمَنُ، يُقَالُ: أَبِكَ الرَّجُلُ: إِذَا سَمِنَ.
(بَكَّ)الْبَاءُ وَالْكَافُ فِي الْمُضَاعَفِ أَصْلٌ يَجْمَعُ التَّزَاحُمَ وَالْمُغَالَبَةَ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْبَكُّ دَقُّ الْعُنُقِ. وَيُقَالُ: سُمِّيَتْ بَكَّةَ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَبُكُّ أَعْنَاقَ الْجَبَابِرَةِ إِذَا أَلْحَدْوا فِيهَا بظُلْمٍ لَمْ يُنْظَرُوا. وَيُقَالسُمِّيَتْ بَكَّةَ لِأَنَّ النَّاسَ بَعْضُهُمْ يَبُكُّ بَعْضًا فِي الطَّوَافِ، أَيْ: يَدْفَعُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَيْ يَتَبَاكُّونَ فِيهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَقِيلَ أَيْضًا: بَكَّةُ فَعْلَةٌ مِنْ بكَكْتُ الرَّجُلَ: إِذَا رَدَدْتُهُ وَوَضَعْتَ مِنْهُ. قَالَ:

إِذَا الشَّرِيبُ أَخَذَتْهُ أَكَّهْ...فَخَلِّهِ حَتَّى يَبُكَّ بَكَّهْ

وَقَالَ آخَرُ:

يَبُكُّ الْحَوْضَ عَلَّاهَا وَنَهْلَى...وَدُونَ ذِيَادِهَا عَطَنٌ مُنِيمُتَبُكُّ: تَزْدَحِمُ عَلَيْهِ. قَالَ االْأَعْرَابِيِّ: تَبَاكَّتِ الْإِبِلُ: إِذَا ازْدَحَمَتْ عَلَى الْمَاءِ فَشَرِبَتْ وَرَجُلٌ أَبَكُّ شَدِيدٌ غَلَّابٌ، وَجَمْعُهُ بُكٌّ، وَيُقَالُ: بَكَّهُ: إِذَا غَلَبَهُ.

قَالَ الْفَرَّاءُ: يُقَالُ لِلرِّشَاءِ الْغَلِيظِ الْأَبَكُّ. وَالْأَبَكُّ فِي قَوْلِ الْأَصْمَعِيِّ الشَّجَرُ الْمُجْتَمِعُ. يُرِيدُ قَوْلَ الْقَائِلِ:

صَلَامَةٌ كَحُمُرِ الْأَبَكِّ...لَا جَذَعٌ فِيهَا وَلَا مُذَكِّ
(حَبَكَ)الْحَاءُ وَالْبَاءُ وَالْكَافُ أَصْلٌ مُنْقَاسٌ مُطَّرِدٌ ; وَهُوَ إِحْكَامُ الشَّيْءِ فِي امْتِدَادٍ وَاطِّرَادٍ. يُقَالُ بَعِيرٌ مَحْبُوكُ الْقَرَى، أَيْ قَوِيُّهُ. وَمِنَ الِاحْتِبَاكِ الِاحْتِبَاءُ، وَهُوَ شَدُّ الْإِزَارِ ; وَهُوَ قِيَاسُ الْبَابِ.

وَحُبُكُ السَّمَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {{وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ}} [الذاريات: 7] ، فَقَالَ قَوْمٌ: ذَاتِ الْخَلْقِ الْحَسَنِ الْمُحْكَمِ. وَقَالَ آخَرُونَ: الْحُبُكُ الطَّرَائِقُ، الْوَاحِدَةُ حَبِيكَةٌ. وَيُرَادُ بِالطَّرَائِقِ طَرَائِقُ النُّجُومِ.

وَيُقَالُ كِسَاءٌ مُحَبَّكٌ، أَيْ مُخَطَّطٌ.
(رَبَكَ)الرَّاءُ وَالْبَاءُ وَالْكَافُ كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلَى خَلْطٍ وَاخْتِلَاطٍ. فَالرَّبْكُ: إِصْلَاحُ الثَّرِيدِ وَخَلْطُهُ. وَيُقَالُ لَهُ حِينَ يُفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ الرَّبِيكَةُ. وَيُقَالُ ارْتَبَكَ فِي الْأَمْرِ، إِذَا لَمْ يَكَدْ يَتَخَلَّصُ مِنْهُ.
(سَبَكَ)السِّينُ وَالْبَاءُ وَالْكَافُ أُصَيْلٌ يَدُلُّ عَلَى التَّنَاهِي فِي إِمْهَاءِ الشَّيْءِ. مِنْ ذَلِكَ: سَبَكْتُ الْفِضَّةَ وَغَيْرَهَا أَسْبِكُهَا سَبْكًا. وَهَذَا يُسْتَعَارُ فِي غَيْرِ الْإِذَابَةِ أَيْضًا. [وَالسُّنْبُكُ: طَرَفُ الْحَافِرِ] . فَأَمَّا السُّنْبُكُ مِنَ الْأَرْضِ فَاسْتِعَارَةٌ، طَرَفٌ غَلِيظٌ قَلِيلُ الْخَيْرِ.
(شَبَكَ)الشِّينُ وَالْبَاءُ وَالْكَافُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى تَدَاخُلِ الشَّيْءِ. يُقَالُ شَبَّكَ أَصَابِعَهُ تَشْبِيكًا. وَيُقَالُ: بَيْنَ الْقَوْمِ شُبْكَةُ نَسَبٍ، أَيْ مُدَاخَلَةٌ. وَمِنْ ذَلِكَ الشَّبَكَةُ.
(عَبَكَ)الْعَيْنُ وَالْبَاءُ وَالْكَافُ أُصَيْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الْإِبْدَالِ. قَالَ الْخَلِيلُ: مَا ذُقْتُ عَبَكَةً وَلَا لَبَكَةً. وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: يُقَالُ: مَا أَغْنَيْتَ عَنِّي عَبَكَةً وَلَا لَبَكَةًأَيْ شَيْئًا. وَأَصْلُهُ قَوْلُهُمُ الَّذِي يَبْقَى فِي النِّحْيِ مِنَ السَّمْنِ: عَبَكَةٌ. وَقَدْ يُقَالُ ذَلِكَ لِلطِّينَةِ مِنَ الْوَحْلِ.

وَالصَّحِيحُ فِي هَذَا الْبَابِ هَذَا، وَقَدْ ذُكِرَتْ فِيهِ كَلِمَاتٌ عَنْ أَعْرَابٍ مَجْهُولِينَ لَا أَصْلَ لَهَا فَلِذَلِكَ تَرَكْنَاهَا.
(لَبَكَ)اللَّامُ وَالْبَاءُ وَالْكَافُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى خَلْطِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ. يُقَالُ لَبَكْتُ عَلَى فُلَانٍ الْأَمْرَ أَلْبِكُهُ، إِذَا خَلَطْتَهُ عَلَيْهِ. وَسَأَلَ رَجُلٌ الْحَسَنَ عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُبَيِّنْ فَقَالَ: " لَبَّكْتَ عَلَيَّ ". وَيُقَالُ: [لَبَكْتُ] الطَّعَامَ بِعَسَلٍ وَغَيْرِهِ، إِذَا خَلَطْتُهُمَا. قَالَ:

إِلَى رُدُحٍ مِنَ الشِّيزَى مِلَاءٍ...بَ الْبُرِّ يُلْبَكُ بِالشِّهَادِ

وَمِنَ الْبَابِ: مَا ذُقْتُ عَبَكَةً وَلَا لَبَكَةً. يَقُولُونَ: هِيَ اللُّقْمَةُ مِنَ الْحَيْسِ.
(نَبَكَ)النُّونُ وَالْبَاءُ وَالْكَافُ كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلَى ارْتِفَاعٍ وَهُبُوطٍ فِي الْأَرْضِ. يُقَالُ نَبَكَةٌ، وَالْجَمْعُ نِبَاكٌ.

باب: في خصائصه صلى الله عليه وسلم وتحديثه أمته بها امتثالا لأمر الله تعالى، بقوله تعالى: {وأما بنعمة ربك فحدث}

سير أعلام النبلاء

باب: في خصائصه صلى الله عليه وسلم وتحديثه أمته بها امتثالا لأمر الله تعالى، بقوله تعالى: {{وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّث}}
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بنِ أَحْمَدَ الهاشمي بالإسكندرية، أخبركم محمد بن أحمد بن عمر ببغداد، قال: أخبرنا أحمد بن محمد الهاشمي سنة إحدى وخمسين وخمس مائة، قال: أخبرنا الحسن بن عبد الرحمن الشافعي، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم العبقسي، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الديبلي سنة إحدى وعشرين وثلاث مائة، قال: حدثنا محمد بن أبي الأزهر قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، قال: أخبرنا عَبْدِ اللهِ بنِ دِيْنَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السمان، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مثلي ومثل الأنبياء قبلي، كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل من مر من الناس ينظرون إليه ويتعجبون منه ويقولون: هلا وضع هذه اللبنة؟ قال: أنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين". صلى الله عليه وسلم.
البخاري1 البخاري عن قتيبة، عن إسماعيل.
قال الزهري، عن ابن المسيب وأبي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "نصرت بالرعب وأعطيت جوامع الكلم، وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض، فوضعت بين يدي". أخرجه مسلم والبخاري2.
وقال العَلاَءُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيْهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فضلت على الأنبياء بستك أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون". أخرجه مسلم3.
__________
1 صحيح: أخرجه أحمد "2/ 398"، والبخاري "3535"، ومسلم "2286" "22"، والبيهقي في "الدلائل" "1/ 366"، والبغوي "3621" من طرق عن إِسْمَاعِيْلُ بنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدِ اللهِ بنِ دِيْنَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السمان، عن أبي هريرة، به.
2 صحيح: أخرجه البخاري "2977"، ومسلم "523" "6" من طريق ابن شهاب، به.
3 صحيح: أخرجه أحمد "2/ 411-412"، ومسلم "523" "5"، والترمذي في إثر حديث رقم "1553"، "2/ 433"، "9/ 5"، والبيهقي "3617" من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي، به.

صفة الوجه "قال عند قوله تعالى {كُلُّ مَنْ عَلَيهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} يخبر تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون ويموتون أجمعون وكذلك أهل السموات إلا ما شاء الله ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم فإن الرب تعالى وتقدس لا يموت بل هو الحي الذي لا يموت أبدًا" ¬

الموسوعة الميسرة في تراجم أئمة التفسير والإقراء والنحو واللغة

6 - صفة الإتيان والمجيء: "قال عند قوله تعالى: {{هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ}} [البقرة: 210.
يقول تعالى مهددًا للكافرين بمحمد صلوات الله وسلامه عليه: {{هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ}} يعني يوم القيامة لفصل القضاء بين الأولين والآخرين، فيجزى كل عامل بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، ولهذا قال تعالى: {{وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ}} كما قال تعالى: {{كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (*) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (*) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى}} [الفجر: 21 - 23.
وقال: {{هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ}} الآية.
وقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير ها هنا، حديث الصور بطوله من أوله. عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - وهو حديث مشهور، وساقه غير واحد من أصحاب المسانيد وغيرهم، وفيه أن الناس إذا اهتموا لموقفهم في العرصات تشفعوا إلى ربهم بالأنبياء واحدًا واحدًا من آدم فمن بعده، فكلهم يحيد عنها، حتى ينتهوا إلى محمّد - ﷺ - فإذا جاؤوا إليه، قال: أنا لها، أنا لها، فيذهب فيسجد لله تحت العرش، ويشفع عند الله في أن يأتي لفصل القضاء بين العباد فيشفعه الله، ويأتي في ظلل من الغمام بعدما تنشق السماء وينزل من فيها من الملائكة ثم الثانية، ثم الثالثة، إلى السابعة، وينزل حملة العرش والكروبيون، قال: وينزل الجبار عزَّ وجلَّ في ظلل من الغمام
¬__________
(¬1) تفسير ابن كثير: (3/ 536).
(¬2) تفسير ابن كثير: (4/ 272).

والملائكة، ولهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت سبحان ذي العزة والجبروت سبحان الحي الذي لا يموت سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت سبوح قدوس رب الملائكة والروح، سبوح قدوس سبحان ربنا الأعلى، سبحان ذي السلطان والعظمة، سبحانه سبحانه أبدًا أبدًا (¬1)، ثم ذكر حديثًا رواه ابن مردويه ثم ذكر عن أبي العالية، هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام، والملائكة يقول والملائكة يجيئون في ظلل من الغمام، والله تعالى يجيء فيما يشاء، وهي في بعض القراءات {{هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ}} والملائكة في ظلل من الغمام، هي قبله {{وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا}} (¬2).
وقال عند قوله تعالى: {{كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (*) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا}}.
يعني لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعدما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق، محمّد - ﷺ -، بعدما يسألون أولي العزم من الرسل واحدًا بعد واحد، فكل يقول لست بصاحب ذاكم، حتى تنتهي النوبة إلى محمّد - ﷺ - فيقول: أنا لها، فيذهب فيشفع عند الله تعالى في أن يأتي لفصل القضاء فيشفعه الله تعالى في ذلك، وهي أول الشفاعة، وهي المقام المحمود، كما تقدم بيانه في سورة سبحان، فيجيء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء كما يشاء والملائكة يجيئون بين يديه صفوفًا صفوفًا (¬3).
التعليق:
هذه التفسيرات التي ذكرها الإمام ابن كثير في تفسير سورة البقرة، وفي سورة الفجر، صريحة بأن الشيخ ابن كثير يثبت صفة المجيء والإتيان، ولا سيما أنه أكد ذلك بما نقله عن الإمام ابن جرير في ذكره لحديث الصور، وهو صريح في هذه الصفة، لا يحتمل التأويل، فرحمة الله عليه رحمة واسعة"
.
7 - تفسير الكرسي: "قال عند قوله تعالى: {{وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}} الآية. قال بعد سياق الأقوال والآثار، وقد زعم بعض المتكلمين على علم الهيئة من الإسلاميين، أن الكرسي عندهم، هو الفلك الثامن، وهو فلك الثوابت الذي فوقه الفلك التاسع، وهو الفلك الأثير، ويقال له الأطلس، وقد رد ذلك عليهم آخرون، وروى ابن جرير من طريق جبير عن الحسن البصري أنه كان يقول: الكرسي هو العرش، والصحيح أن الكرسي غير العرش، والعرش أكبر منه، كما دلت على ذلك الآثار والأخبار، وقد اعتمد ابن جرير على حديث عبد الله بن خليفة عن عمر في ذلك، وعندي في صحته نظر والله أعلم (¬4).
¬__________
(¬1) قال أحمد شاكر في تعليقه على ابن جرير: هذا الحديث ضعيف من جهتين، من جهة إسماعيل بن رافع ضعيف جدًّا، ومن جهة الرجل المبهم في السند، انظر الجزء الرابع (ص 268).
(¬2) تفسير ابن كثير (1/ 248).
(¬3) تفسير ابن كثير: (4/ 510).
(¬4) المصدر نفسه: (1/ 210).

التعليق:
والصواب ما صح عن ابن عباس وغيره، أن الكرسي موضع القدمين وفيه إثبات الصفة لله تعالى، لأن هذا لا يقال من قبل الرأي على أنه قد روي مرفوعًا عند أبي الشيخ في العظمة"
.
8 - صفة المحبة: "قال عند قوله تعالى: {{وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ}} [البقرة: 205. وقوله تعالى: {{وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ}} أي لا يحب من هذه صفاته، ولا من يصدر منه ذلك (¬1).
وقال عند قوله تعالى: {{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ}} [آل عمران: 31 - 32.
هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في نفس الأمر، حتى يتبع الشريعة المحمدية، والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله - ﷺ - قال: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) (¬2).
ولهذا قال: {{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}} أي يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض العلماء الحكماء، ليس الشأن أن تُحِب، إنما الشأن أن تُحَب وقال الحسن البصري، وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله، فابتلاهم الله بهذه الآية فقال: {{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}} (¬3).
التعليق:
الحافظ ابن كثير يثبت صفة المحبة على ما هو ظاهر من تفسيراته لآيات المحبة، فقد فسرها على ظاهرها، ولم يؤول شيئًا منها جزاه الله خيرًا"
.
9 - صفة اليد: "قال عند قوله تعالى: {{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ}} [الزمر: 67 قال هم الكفار، الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم فمن آمن أن الله على كل شيء قدير، فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك، فلم يقدر الله حق قدره، وقد وردت أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية الكريمة والطريق فيها وفي أمثالها مذهب السلف، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف" (¬4).
10 - صفة الفوقية: "قال عند قوله تعالى: {{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ}} [الأنعام: 18 أي هو الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، وقهر كل شيء، ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله، وكبريائه، وعظمته، وعلوه، وقدرته، على الأشياء واستكانت وتضاءلت بين يديه، وتحت
¬__________
(¬1) تفسير ابن كثير: (1/ 347).
(¬2) أخرجه مسلم في كتاب الأقضية (3/ 1344).
(¬3) تفسير ابن كثير: (1/ 358).
(¬4) تفسير ابن كثير: (4/ 62).

قهره وحكمه (¬1).
التعليق:
وهذه الآية من أدلة العلو لله تعالى، وكان ينبغي للحافظ ابن كثير أن يبين ذلك بيانًا شافيًا، وإن كان أشار إلى ذلك إشارة خفيفة في تفسير الآية فرحمة الله عليه"
.
11 - إثبات الرؤية: "قال عند قوله تعالى: {{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}} [الأنعام: 103.
فيه أقوال للأئمة من السلف، أحدها لا ندركه في الدنيا، وإن كانت تراه في الآخرة، كما تواترت به الأخبار عن رسول الله - ﷺ - من غير طريق ثابت في الصحاح والمسانيد والسنن، كما قال مسروق عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "
من زعم أن محمدًا أبصر ربه فقد كذب". وفي رواية "على الله فإن الله تعالى قال: {{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ}} " رواه ابن أبي حاتم، من حديث أبي بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي الضحى، عن مسروق، ورواه غير واحد عن مسروق، وثبت في الصحيح وغيره عن عائشة من غير وجه، وخالفها ابن عباس فعنه إطلاق الرؤية، وعنه أنه رآه بفؤاده مرتين، والمسألة تذكر في أول سورة النجم إن شاء الله.
وقال ابن أبي حاتم: ذكر محمّد بن مسلم، حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا يحيى بن معين قال: سمعت إسماعيل بن علية يقول: في قوله: {{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ}} قال: هذا في الدنيا.
وذكر أبي عن هشام بن عبد الله أنه قال: نحو ذلك، وقال آخرون: لا تدركه الأبصار، أي جميعها وهذا مخصص بما ثبت من رؤية المؤمنين له في الدار الآخرة.
وقال آخرون من المعتزلة، بمقتضى ما فهموه من الآية أنه لا يرى في الدنيا والآخرة، فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك، مع ما ارتكبوه من الجهل بما دلّ عليه كتاب الله، وسنة رسوله.
فأما الكتاب فقوله تعالى: {{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (*) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}} [القيامة: 22 - 23، وقال تعالى عن الكافرين {{كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ}} قال الإمام الشافعي: فدل هذا على أن المؤمنين لا يحجبون عنه تبارك وتعالى.
وأما السنة، فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد، وأبي هريرة وابن جرير وصهيب وبلال، وغير واحد من الصحابة عن النبي - ﷺ - أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة في العرصات، وفي روضات الجنات، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه آمين.
وقيل المراد بقوله {{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ}} أي: العقول. رواه ابن أبي حاتم عن علي بن الحسين، عن الفلاس، عن ابن مهدي، عن أبي الحصين يحيى بن الحصين، قارئ أهل مكة أنه قال ذلك وهذا غريب جدًّا، وخلاف ظاهر الآية، وكأنه اعتقد الإدراك في معنى الرؤية والله أعلم.
وقال آخرون: لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك فإن الإدراك أخص من الرؤية، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم ثم اختلف هؤلاء في الإدراك المنفي ما هو فقيل: معرفة الحقيقة،
¬__________
(¬1) المصدر نفسه: (2/ 126).

فإن هذا لا يعلمه إلا هو وإن رآه المؤمنون، كما أن من رأى القمر فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه وماهيته، فالعظيم أولى بذلك، وله المثل الأعلى، قال ابن علية في الآية: "
هذا في الدنيا" رواه ابن أبي حاتم.
وقال آخرون: الإدراك أخص من الرؤية، وهو الإحاطة، قالوا: ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية، كما لا يلزم من إحاطة العلم، عدم العلم، قال تعالى: {{وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا}} [طه: 110، وفي صحيح مسلم (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) (¬1)، ولا يلزم من عدم الثناء، فكذلك هذا.
قال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: {{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ}} قال: لا يحيط بصر أحد بالملك.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد، حدثنا أسباط عن سماك، عن عكرمة، أنه قيل له: لا تدركه الأبصار قال: ألست ترى السماء قال: بلى، قال: فكلها ترى وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في هذه الآية {{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ}} وهو أعظم من أن تدركه الأبصار، ثم ذكر بقية الأقوال والآثار"
. (¬2)
12 - صفة العين: "قال عند قوله تعالى: {{وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا}} [هود: 37 (بأعيننا) أي بمرأى منا. (¬3)
قال عند قوله تعالى: {{وَأَلْقَيتُ عَلَيكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَينِي}} [طه: 39 قال أبو عمران الجوني تربى بعين الله، وقال قتادة: تغذى على عيني، وقال معمر بن المثنى: ولتصنع على عيني بحيث أرى، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يعني أجعله في بيت الملك لينعم ويترف وغذاؤه عندهم غذاء الملك فتلك الصنعة. (¬4)
التعليق:
وهذه الآيات من أعظم الأدلة على إثبات صفة العين لله تعالى، فكان ينبغي للحافظ ابن كثير أن يبين الصفة، ثم يذكر اللوازم التي هي الرؤية، والعلم، والحفظ والإدراك وغير ذلك من اللوازم"
.
13 - صفة المعية: "قال عند قوله تعالى: {{هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}} [الحديد: 4.
أي رقيب عليكم شهيد على أعمالكم، حيث كنتم، وأين كنتم؟ من بر، أو بحر، في الليل أو النهار، في البيوت أو في القفار، الجميع في علمه على السواء، وتحت بصره وسمعه، فيسمع كلامكم ويرى مكانكم، ويعلم سركم ونجواكم كما قال الله تعالى: {{أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}}
¬__________
(¬1) أخرجه مسلم في الصلاة: رقم الحديث (222).
(¬2) تفسير ابن كثير: (2/ 161).
(¬3) المصدر نفسه: (4/ 444).
(¬4) تفسير ابن كثير: (3/ 147).

[هود: 5، وقال تعالى: {{سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ}} [الرعد: 10. فلا إله غيره، ولا رب سواه وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله - ﷺ - قال لجبريل لما سأله عن الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) (¬1).
وروى الحافظ أبو بكر الإسماعيلي، من حديث نصر بن خزيمة بن جنادة بن علقمة، حدثني أبي عن نصر بن علقمة عن أخيه عن عبد الرحمن بن عائذ، قال: قال عمر جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: زودني حكمة أعيش بها، فقال: (استح الله كما تستحي رجلا من صالح عشيرتك). هذا حديث غريب، وروى أبو نعيم من حديث عبد الله بن علوية العامرى مرفوعًا، (ثلاث من فعلهن فقد طعم الإيمان إن عبد الله وحده، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه في كل عام، ولم يعط، الهرمة، ولا الردية، ولا الشريطة، اللئيمة، ولا المريضة ولكن من أوسط أموالكم)، وقال رجل: يا رسول الله ما تزكية المرء نفسه. فقال: (يعلم أن الله معه حيث كان).
وقال نعيم بن حماد رحمه الله: حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي عن محمد بن مهاجر، عن عروة بن رويم عن عبد الرحمن بن غنم عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيث ما كنت) غريب وكان الإمام أحمد رحمه الله ينشد هذين البيتين:
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل ... خلوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا أن ما تخفي عليه يغيب
وقال عند قوله تعالى: {{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إلا هُوَ مَعَهُمْ أَينَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ}} [المجادلة: 7، وقوله: {{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إلا هُوَ رَابِعُهُمْ}} الآية. أي من سر ثلاثة إلا هو رابعهم، ولا خمسة إلا هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر، إلا هو معهم أينما كانوا، أي مطلع عليهم، يسمع كلامهم وسرهم ونجواهم، ورسله أيضًا تكتب ما يتناجون به مع علم الله به وسمعه له.
كما قال تعالى: {{أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ}} [التوبة: 78.
وقال تعالى: {{أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيهِمْ يَكْتُبُونَ}} [الزخرف: 80.
ولهذا حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه الآية، معية علمه تعالى، ولا شك في إرادة ذلك، ولكن وسمعه أيضًا مع علمه بهم وبصره، نافذ فيهم، فهو سبحانه وتعالى مطلع على خلقه
¬__________
(¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري عن أبي هريرة في الإيمان (1/ 114 الفتح) ومسلم عن ابن عمر وأبي هريرة في الإيمان (1/ 27).

لا يغيب عنه من أمورهم شيء (¬1) "
أ. هـ.
وفاته: سنة (774 هـ) أربع وسبعين وسبعمائة.
من مصنفاته: "التفسير الكبير"، و"البداية والنهاية" وغير ذلك.

اللغوي: سعدي بن ناجي بيك، أخو المولى جعفر جلبي بن ناجي بيك، الرومي الحنفي، المعروف بتاج بك.
من مشايخه: قرأ على جماعة من الموالي، منهم: المولى قاسم الشهير بقاضي زاده، والمولى محمّد بن الحاج حسين وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• الشذرات: "برع وكان فاضلًا في سائر الفنون، خصوصًا العربية، وله باللسان العربي إنشاء وشعر في غاية الجودة" أ. هـ.
• الشقائق النعمانية: "كان رحمه الله تعالى عالمًا فاضلًا في جميع العلوم سيما في علوم العربية، وكان صالحًا كريم النفس حميد الخصال صادق القول وكان المولى الوالد يقول في حقه: لو قلت في حقه إنه لم يكذب مدة عمره لما كذبت. وله قصائد بلسان العربية أجاد فيها كل الإجادة بحيث من طالعها ظنها من قصائد فصحاء العرب" أ. هـ.
وفاته: سنة (922 هـ) اثنتين وعشرين وتسعمائة.
من مصنفاته: له حواشي على "شرح المفتاح" للسيد الشريف، وحاشية على باب الشهيد من شرح الوقاية" لصدر الشريعة، ونظم "عقائد النسفي "بالعربية.

قوله تحت قوله تعالى {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ رَأَى نَارًا فَقَال لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} طه "وهذا هو الهدى الذي كان يتوقعه موسى عليه السلام لمعرفته بأن الله يظهر حسب ما يريد وما في العالم سواه"

الموسوعة الميسرة في تراجم أئمة التفسير والإقراء والنحو واللغة

  • الحُضَيني
  • الجَوْهَرِي
  • النَّابُلسي
  • قوله تحت قوله تعالى {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ رَأَى نَارًا فَقَال لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} طه "وهذا هو الهدى الذي كان يتوقعه موسى عليه السلام لمعرفته بأن الله يظهر حسب ما يريد وما في العالم سواه"
  • الثَّقَفي
  • المدني
  • عبد الغني بن تيمية
3 - قوله تحت قوله تعالى: {{وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى}} [طه: 13: "أي: وأنا اخترتك لنفسي بأن تكون أنا وكون أنا أنت. {{فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى}} وهذا نظير حديث الإنسان الغافل لنفسه يحدثها وتحدثه". نلاحظ: أنه أحس بأن في الآية موحيًا وموحى إليه وهذا يقتضي الغيرية والاثنينية وينقض عقيدتهم فبادر من أجل ذلك إلى تأويله وتحريفه بهذا الأسلوب البارد.
4 - وتحت قوله تعالى: {{وَأَلْقَيتُ عَلَيكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَينِي}} [طه: 39 يقول: (أي: على ذاتي فأظهر بك وتغيب أنت، وتظهر أنت

وأغيب أنا، وما هما اثنان بل عين واحدة".
5 - وتحت قوله تعالى: {{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ}} [محمد: 19 يقول: "
أي: لا موجود إلا الله".
6 - وعن آية الدعوة {{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}} [يوسف: 108 يقول: {{قل}} يا محمّد {{هذه سبيلي}} أي طريقي في رجوع الأعيان الكثيرة إلى العين الواحدة. وذلك رجوع الكثرة إلى الموحدة وهو التوحيد الحقيقي والإيمان الكامل {{أدعو إلى الله}} أي أرجع كل عين حادثة إلى عينه القديمة {{على بصيرة}} أي: معرفة تامة حقيقية. {{أنا ومن اتبعني}} فورث علومي الحقيقية لا الخيالية. {{وسبحان الله وما أنا من المشركين}} أي: الذين ألهاهم التكاثر: الكثرة عن الموحدة، حتى زرتم المقابر، أي: ماتوا على كثرة أعيانهم ولم يرجعوا إلى العين الواحدة"
.
نلاحظ هنا:
أ- كيف أنه سار على نهج من قبله من أهل وحدة الوجود فيجعل الموحدة هي التوحيد والإيمان الكامل، وبطلان ذلك معروف عند صبيان الموحدين.
ب- أن المشرك عندهم هو من شغله الفرق عن الجمع وهذا التقرير جار على قواعدهم في أن التوحيد الحقيقي هو وحدة الوجود، لأن معنى ذلك أن من لم ير الموحدة فهو المشرك ولذا سهل على هؤلاء الناس أن يقارفوا كل أنواع الشرك والفسوق والعصيان ما داموا مؤمنين بالوحدة.
جـ- كيف أنه لم يستح حتى جعل علوم النبي - ﷺ - قسمين: علوم حقيقية وعلوم خيالية، وذلك هو منتهى الوقاحة والحماقة. خاصة إذا علمت أنه يقصد بالعلوم الحقيقية وحدة الوجود. ويكفينا هنا لدحض باطله وتأويلاته التعسفية أن نورد هنا ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية عن آية الفتح حيث قال: "إن قوله تعالى: {{إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ}} لم يرد بك أنك أنت الله، وإنما أراد أنك أنت رسول الله، ومبلغ أمره ونهيه فمن بايعك فقد بايع الله، كما أن من أطاعك فقد أطاع الله، ولم يرد بذلك بأن الرسول هو الله، ولكن الرسول أمر الله به فمن أطاعه فقد أطاع الله كما قال النبي - ﷺ -: "من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصا الله ومن عصى أميري فقد عصاني، ومعلوم أن أميره ليس هو إياه، ومن ظن في قوله: {{إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ}} أن المراد به أن فعلك هو فعل الله، أو المراد أن الله حال فيك ونحو ذلك فهو مع جهله وضلاله بل كفره وإلحاده فقد صلب الرسول خاصيته وجعله مثل غيره، وذلك أنه لو كان المراد به أنه خاك لفعلك لكان هناك قدر مشترك بينه وبين سائر الخلق، وكان من بايع أبا جهل فقد بايع الله، ومن بايع مسيلمة فقد بايع الله، ومن بايع قادة الأحزاب فقد بايع الله، وعلى هذا التقدير فالمبايع هو الله أيضًا فيكون الله قد بايع الله".
وفي آخر جوابه قال: "
وهذا الذي كتبناه من فيض الوارد الرحماني والفاتح الرباني، فمن آمن به وصدق فهو من عند الله من المؤمنين الصادقين ومن جحد وأنكر فحسابه عند رب العالمين. فرغ ما جرى به قلم الإمداد ورسمه في الطرس روح الاستعداد، بصورة اسم عبد الغني

في عشية نهار الجمعة الثالث عشر من شعبان لسنة تسع وثلاثين ومائة وألف".
قلت من تأمل هذا الجواب علم يقينا أنه وارد شيطاني، ونفخ من نفخ الخناس الذي يوسوس في صدور الناس. وأن من آمن كدلول تلك الكلمات التي أملاها عليه إبليس واقترفت يمينه أو شماله جريمة تدوينه، فقد وجب عليه أن يجدد إسلامه، فإنه خارج عن دائرة الإسلام، إذا دخلها من قبل"
. نسأل الله العافية" أ. هـ.
قلت قد ذكرها صاحب كتاب الماتريدية وموقفهم من الأسماء والصفات الإلهية ضمن أشهر أعلام الماتريدية.
وفاته: سنة (1143 هـ)
ثلاث وأربعين ومائة وألف.
من مصنفاته: "
التحرير الحاوي بشرح تفسير البيضاوي) و "الرد على من تكلم في ابن عربي" و "أجمع الأسرار في منع الأشرار عن الطعن في الصوفية الأخيار وأهل التواجد بالأذكار".

*أيبك التركمانى هو أول سلاطين دولة المماليك فى مصر والشام بعد أن زالت دولة الأيوبيين، تولى عرش السلطنة سنة (648 هـ) وفى عهده لم تستقر الأوضاع تمامًا، شأن كل فترات الانتقال من نظام إلى نظام، أو بناء دولة وليدة على أنقاض أخرى بائدة، ولم يخلُ عهد «أيبك» من المنازعات التى نشبت بينه وبين المماليك على السلطنة، خاصة أن «فارس الدين أقطاى» رئيس «المماليك البحرية» لم يكن مقتنعًا بأيبك، فدارت بينهما مناوشات كثيرة، وتمكن «أيبك» من القضاء على «أقطاى»، ولكنه لم يلبث طويلا بعد ذلك وقُتل سنة 655هـ.
*على بن أيبك (المنصور) تولى على بن أيبك عرش السلطنة المملوكية فى مصر والشام عقب مقتل أبيه سنة 655هـ، وتلقب بالمنصور نور الدين، إلا أنه لم يكن أهلا لهذه المسئولية الجسيمة، خاصة أن البلاد الإسلامية - آنذاك - كان يتهددها خطر المغول، الذين سيطروا على مركز الخلافة الإسلامية، بالإضافة إلى أن «المنصور» كان لايزال طفلا فى الحادية عشرة من عمره، ولذلك لم يجد الأتابك «سيف الدين قطز» صعوبة فى عزله وتولى عرش السلطنة بدلا منه.
*بابك الخُرَّمى هو أحد زعماء فرقة البابكية الخُرَّمية، اختلفت الروايات فى أصله ونسبه، إلا أنها أجمعت على أنه نشأ فقيرًا يعمل بالرعى مقابل كسوته وإطعامه عند أهل قريته الواقعة بإقليم البذ بين إيران وأذربيجان جنوبى بحر قزوين.
والتحق بابك بفرقة الخرميَّة التى ظهرت فى بلاد فارس ثم أصبح أحد زعمائها، وتجمع حوله عدد كبير من الأتباع، فبدأ فى محاربة الدولة العباسية وأمر أتباعه بالإغارة على المسلمين المقيمين بالإقليم المجاور لإقليم البذ وقتلهم سواء كانوا أطفالاً أو رجالاً أو نساءً.
وأصبح بابك يهدد أمن الدولة العباسية، واشتدَّ خطره فى عهد الخليفة المأمون الذى أرسل إليه عدة حملات عسكرية غير أنها لم تستطع القضاء على حركته.
فلما تولى المعتصم الخلافة أرسل جيوشه بقيادة الأفشين لمحاربة بابك وأتباعه فألحقت بهم الهزيمة عام (222هـ = 836م)، وتمكَّن الأفشين من أسره وتسليمه إلى المعتصم عام (223هـ = 838م) الذى أمر بقتله وقتل أخيه عبد الله، وبذلك قضى المسلمون على فتنة استمرت أكثر من (20عامًا).
*بابك الخرمى (حركة) هى حركة منحرفة تُعدُّ أخطر الحركات الفارسية المعادية للخلافة العباسية، تزعمها بابك الخرمى، إبان خلافة المأمون والمعتصم، وامتدت عشرين سنة، وتُعرَف بالخرمية، واتسمت بدقة التنظيم وبراعة القيادة، والاتصال السياسى بالأكراد والأرمن وغيرهم، وكانت تؤمن بمبادئ هدامة منها: 1 - الإيمان بالحلول والتناسخ حتى إن زعيمها «بابك» ادَّعى الألوهية.
2 - المشاعية المزدكية فى الأموال والأعراض.
3 - ضرورة التخلص من السلطان العربى والدين الإسلامى.
أخذ الخرميون فى العبث والفساد منذ سنة (201هـ) فبعث إليهم المأمون عدة حملات، ولكنها هزمت الواحدة تلو الأخرى، ومن قوادها: يحيى بن معاذ، وعيسى بن أبى خالد، وصدقة بن على، والجنيد الإسكافى، ومحمد بن حميد الطوسى.
وكان من وصية المأمون لأخيه المعتصم أن يتابع محاولات القضاء على الخرمية وبدعهم، فبعث المعتصم جيشين بقيادة إسحاق بن إبراهيم وبغا الكبير إلا أن بابك انتصر عليهما.
واستمر أمر بابك فى الظهور حتى سنة (221هـ) إذ بعث المعتصم قائده الأفشين؛ لقتال بابك فنظم البريد، وأقام الحصون بين سامراء وآذربيجان؛ لاستجلاب المدد، وتمكن من تحقيق أول نصر على الخرمية، وفى السنة التالية نجح الأفشين فى الاستيلاء على البذ، ثم وقع بابك فى يده، فحمله إلى سامراء؛ حيث أمر المعتصم بقتله، وبذلك انتهى أمر الخرمية.
ويقدر ضحايا بابك خلال عشرين سنة بنحو (255) ألفاً.

طغرل بك في العراق

تاريخ دولة آل سلجوق

ويضيف ابن الأثير إلى ذلك قائلا: وخرب السواد وأجلي أهله عنه. هذه هي فاتحة أعمال السلاجقة في العراق التي عاملوا بها العراقيين جميعا السنيين منهم والشيعة.
على أنهم لم ينسوا أن يخصوا الشيعة الذين لم يشاركوا في الثورة عليهم، وحموا جنودهم من القتل وآووهم في دورهم، لم ينسوا أن يخصوهم بنوع من الجور لا يطال غيرهم. فالشيعة لا يقولون في آذان السحر: (الصلاة خير من النوم)، بل يقولون بدلا عن ذلك (حي على خير العمل).
فإذا بأوامر طغرل بك من أول يوم تندخل في شئونهم المذهبية وتفرض عليهم أن يتركوا حي على خير العمل، ويبدلوها بالصلاة خير من النوم.
في حين أن البويهيين الذين طال حكمهم في بغداد والعراق لم يتدخلوا في مثل هذه الشئون، وتركوا الناس أحرارا في طقوسهم المذهبية.
وسينال الشيعة ما هو أشد من هذا وأفظع.
طغرل بك في العراق
استقر طغرل بك في بغداد وأمضى فيها ثلاثة عشر شهرا وأياما دون أن يلق الخليفة. وقد كان في هذا تجاهل لمقام الخلافة واستهانة بالخليفة.
وهذا الخليفة الذي تآمر مع السلاجقة على البويهيين، عامله السلاجقة بالمهانة منذ اليوم الذي دخلوا فيه بغداد، كما رأينا فيما تقدم من الأحداث. وتوالت هذه المهانة إلى الحد الذي لم ير فيه الملك السلجوقي أن عليه أن يزور الخليفة! ..
وإذا كان ما لقيه الخليفة هو المهانة، فإن ما لقيه الشعب هو الإذلال والإفقار.
يقول ابن الأثير: (طال مقام السلطان طغرل بك ببغداد وعم الخلق ضرر عسكره، وضاقت عليهم مساكنهم فإن العسكر نزلوا فيها وغلبوهم على أقواتهم وارتكبوا منهم كل محظور).
هذه الصورة الموجزة في كلامه ترينا واقع الحال التي كان عليها أهالي بغداد في حكم السلاجقة: الجنود يشاطرونهم السكنى في دورهم.

ذكر دخول السلطان ركن الدولة طغرلبك أبي

تاريخ دولة آل سلجوق

الحسن بن المأمون مقيما يدعوه إلى بغداد ولا يدعه يقيم، ويروم منه صدق القصد ولا يريم. وطال بالحضرة حضوره، حتى حرك عزمه، فعزم على الحركة واندفع كالسيل، وكسا العلق عجاج فيلقه صبغة الليل، ولم يترك الترك وردا إلا شفهوه، ولا حسنا إلا شوّهوه، ولا نارا إلا أرّشوها، ولا دارا إلا شّعثوها، ولا عصمة إلا رفعوها، ولا وصمة إلا وضعوها، وأجفل الملوك من الخوف أقدامهم، وتنحوا من طريق ضرامهم. فما جاءوا إلى بلدة إلا ملكوا مالكها، وملأوا مسالكها، وأرعبوا ساكنيها وأسكنوها الرعب، وغلبوا ولاتها وولوها الغلب. وأزورّوا إلى الزوراء، وأشاعوا مد اليد بالغارة الشّعواء.
ذكر دخول السلطان ركن الدولة طغرلبك أبي شجاع محمد بن ميكائيل بن سلجق إلى بغداد في 25 من رمضان سنة 447 هـ ومعه الوزير عميد الملك أبو نصر محمد ابن منصور الكندريّ وهو أول وزراء السلجقية
قال: كان حصيفا فصيحا رجيحا نجيحا، متسلطا بمكانه، متمكنا من سلطانه، يرجى ويخشي، ويقصد ويغشي. والسّلطان، بأذنه وناظره يسمع ويبصر، وبإذنه ونظره يرفع ويضع. وله البهجة المهيبة، واللهجة المصيبة. وكان مع السلطان طغرلبك يوم وصوله إلى بغداد، وقد خرج رئيس الرؤساء وزير الإمام القائم لاستقبال السلطان، ومعه أرباب المناصب وأصحاب المراتب. وقاضي القضاة والشهود، والجنود والبنود.
فلما وصل إلى نهر بين، لقيه صاحب للسلطان من المقربين. وقدّم للوزير فرسا وقال: هذا مركوب السلطان وقرّبه، فنزل عن بغلته وركبه. وجاءه بعد ذلك عميد الملك أبو نصر الكندري في موكب ضخم، وفخر فخم. وقد وقف يتوقع مطلعه. فلما بصر به قصد عميد الملك أبو نصر أن يترجل فمنعه، وتعانقا راكبين وخلطا الموكبين.
ووصل السلطان إلى بغداد ونزل على دجلة، عند مسناة عز الدولة رائع الهيبة، رائق الهيئة، قد ضاقت الأرض بجنوده، وضاقت السماء عذبات بنوده. فقبض على

ذكر وصول السلطان طغرلبك إلى بغداد

تاريخ دولة آل سلجوق

حبيب الماوردي، وقد كان في العلم بحرا زاخرا، وفي الشرع بدرا زاهرا.
قال: «بسطت الفقه في أربعة آلاف ورقة (يعني الحاوي) واختصرته في أربعين» (يعني الإقناع)، فيا لهما من بحرين نضبا، وبدرين غربا، وطودين وقعا، وجودين أقلعا.
قال: وفي سنة 453 هـ توفي قريش بن بدران، وتولى ولده مسلم إمارة بني عقيل. وتوفى في شّوالها نصر الدولة أبو نصر بن مروان بميافارقين، عن نيف وثمانين سنة. وفي يوم عرفة من سنة 454 هـ وزر فخر الدولة أبو نصر محمد بن محمد بن جهير للخليفة. وسبب ذلك أنه كان مقيما بميافارقين عند ابن مروان في جاه وعز، آمر ناه فسمت همته وعلت سعادته. وكتب إلى الخليفة يرغب في زيارته لوزارته، وأنه يبذل بذلا، ويحمل حمولا. فندب إليه من دار الخلافة نقيب النقباء الكامل أبو الفوارس طراد بن محمد الزينبي، وقرر ما أراد تقريره ودبر ما شاء تدبيره. فخرج من ميافارقين عند انفصال نقيب النقباء ليودعه، وسار معه، وفات ابن مروان ولم يلحقه لما تبعه.
وخرج الناس عند وصوله إلى بغداد لاستقباله، ونزل بالحريم الطاهري، ومكث ثمانية أيام حتى جاوز الكسوف، ونشق نشر العز المشوف. وتيمن بيوم عرفة فحضر بيت النوبة وقد أسعدته السعادة، واجتمع هناك من طبقات الناس من جرت به العادة.
واحتفل له الخليفة بالجلوس، وطلع نور اليمن من أفقه، وقرأ أمين الدولة أبو سعيد بن الموصلايا توقيعا خرج في حقه.
ذكر وصول السلطان طغرلبك إلى بغداد
قال-رحمه الله-: في محرم سنة 455 هـ توجه السلطان إلى بغداد من أرمية بعزم الدخول على الزوجة، وخرج فخر الدولة بن جهير وتلقاه بالقفص في الموكب الأعظم والأبهة الباهرة والأهبة الزاهرة. ونزل عسكره بالجانب الغربي فزادت به الأزية1، وارتاعت الرعية، ووصل عميد الملك إلى السدة الشريفة مطالبا بالشريفة السيدة فوقعت الإجابة في نقل الجهة إلى دار المملكة، ونزلت منها في الهجرة الشرقية باليمن والبركة: وزفت في ليلة النصف من صفر وجلس على سرير ملبس بالذهب، يخطف
__________
كذا في الأصل ولعله يريد"الأذية"أي الضرر.

ذكر وفاة السلطان طغرلبك بالريّ

تاريخ دولة آل سلجوق

النواظر منه أشعة الذهب. ودخل إليها وقبل الأرض وخدمها، وجلس بإزائها على سرير ملبس بالفضة، وقد كان أنفذ لها مع بنت أخيه زوجة الخليفة، عقدين نفيسين ثمينين، وجاما خسروانيا من إبريز العين، وفرجية من نسيج الذهب مكللة بالحب.
وصارت نفسه لها موكلة بالحب، وظهر منه بها سرور، وسره منها لشرفه ظهور. وبقى مدة أسبوع يهب ويخلع، ويمنح ولا يمنع، وخلع على عبيد الملك وعلى الأمراء، وأفاض التشريفات على الأكابر والعظماء. فقد كان ورد معه إلى بغداد أبو عليّ ابن الملك أبي كاليجار. وهزار سب. وفرامرز بن كاكويه، وسرحاب بن بدر بن مهلهل. فما منهم إلا من أفضيت عليه الخلع الرائقة، وأضيفت له العطايا اللائقة.
قال: وحضر عميد الملك في تاسع شهر ربيع الأول بيت النوبة، واستأذن للسلطان في الأوبة، وأن يستصحب السيدة والخاتون، وذكر أنهم بعد مضيهم عن قريب آتون، فأذن في ذلك الخليفة. وكانت أرسلان خاتون قد حملت من أطراح الخليفة لها غما. وأما السيدة فقد كره الخليفة مسيرها. فلما مضت أمضت بألم فراقها، وومضت لأمل رفاقها. ولما انفصل السلطان عن بغداد أذن لهزار سب في المضي إلى الأهواز، مرعيا بالإعزاز. فإنه مكث على بابه ثلاث سنين لا يؤذن له في الانفصال، ولا يؤذن إربه المفارق بالوصال. وعقد ضمان بغداد على أبي سعد القايني بثمانية وخمسين ألف دينار، فأعاد كل ما أبطله رئيس العراقيين من ضر الضرائب، وشر النوائب. وقد كان هذا يتولى مطبخ عميد الملك، وهو أستاذ داره، فجرى المقدور برفع مقداره.
ذكر وفاة السلطان طغرلبك بالريّ
قال: وفي يوم الجمعة ثامن شهر رمضان سنة 455 هـ توفي طغرلبك بالري فاضطرب بهلكه الملك. وبلغ عميد الملك نعيه وهو على سبعين فرسخا من الريّ فقطعها في يومين إشفاقا من تشويش يتم، وتشوير1ينم. فوصل وهو بحاله لم يدفن ولم يقبر، فتولى دفنه، وتوخى سكون الخلق وأمنه. ومنع الغلمان من شق الثياب، وأخرج جميع ما كان يملكه على العسكر حتى الدواب. وأجلس سليمان بن داود ابن أخي السلطان.
__________
التشوير: الفتنة.

المأمون يوجه محمد الطوسي لمحاربة بابك الخرمي.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

المأمون يوجه محمد الطوسي لمحاربة بابك الخُرَّمي.
212 - 827 م
بدأت فتنة بابك الخرمي صاحب البذ عام مائتان وواحد، وهم أصحاب جاويدان بن سهل،، وادعى بابك أن روح جاويدان دخلت فيه، فأخذ في العيث والفساد، فكان يخشى من أمره لأنه في أطراف الروم ويمكن أن يتحالف معهم ضد المسلمين، وكان قبل ذلك حصلت عدة محاولات لإخماد فتنته لكنها لم تنجح فوجه المأمون محمد بن حميد الطوسي إلى بابك الخرمي لمحاربته، وأمره أن يجعل طريقه على الموصل ليصلح أمرها ويحارب زريق ابن علي وكان المأمون ولى علي بن صدقة المعروف بزريق، على أرمينية، وأذربيجان، وأمره بمحاربة بابك، وأقام بأمره أحمد بن الجنيد الإسكافي، فأسره بابك، فولى إبراهيم بن الليث بن الفضل أذربيجان، فسار محمد إلى الموصل، ومعه جيشه، وجمع ما فيها من الرجال من اليمن وربيعة، وسار لحرب زريق، ومعه محمد بن السيد بن أنس الأزدي، فبلغ الخبر إلى زريق، فسار نحوهم، فالتقوا في الزاب، فراسله محمد بن حميد يدعوه إلى الطاعة، فامتنع، فناجزه محمد، واقتتلوا واشتد قتال الأزدي فانهزم زريق وأصحابه، ثم أرسل يطلب الأمان، فأمنه محمد، فنزل إليه، فسيره إلى المأمون. ثم سار إلى أذربيجان، واستخلف على الموصل محمد بن السيد، وقصد المخالفين المتغلبين على أذربيجان فأخذهم، منهم يعلى بن مرة ونظراؤه، وسيرهم إلى المأمون وسار نحو بابك الخرمي لمحاربته.

التقاء محمد الطوسي ببابك الخرمي وقتل محمد الطوسي.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

التقاء محمد الطوسي ببابك الخُرَّمي وقتل محمد الطوسي.
214 - 829 م
لما فرغ محمد بن حميد الطوسي من أمر المتغلبين على طريقه إلى بابك سار نحوه وقد جمع العساكر، والآلات، والميرة، فاجتمع معه عالم كثير من المتطوعة من سائر الأمصار، فسلك المضايق إلى بابك، وكان كلما جاوز مضيقاً أوعقبة ترك عليه من يحفظه من أصحابه إلى أن نزل بهشتادسر، وحفر خندقا وشاور في دخول بلد بابك، فأشاروا عليه بدخوله من وجه ذكروه له، فقبل رأيهم، وعبأ أصحابه، فكان بابك يشرف عليهم من الجبل، وقد كمن لهم الرجال تحت كل صخرة. فلما تقدم أصحاب محمد، وصعدوا في الجبل خرج عليهم الكمناء وانحدر بابك إليهم فيمن معه، وانهزم الناس، وصبر محمد بن حميد مكانه، وفر من كان معه غير رجل واحد، وسارا يطلبان الخلاص، فرأى جماعة وقتالا فقصدهم، فرأى الخرمية يقاتلون طائفة من أصحابه، فحين رآه الخرمية قصدوه لما رأوا من حسن هيئته، فقاتلهم، وقاتلوه، وضربوا فرسه بزراق، فسقط إلى الأرض، وأكبوا على محمد بن حميد فقتلوه.

عقد المعتصم للأفشين لقتال بابك الخرمي.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

عقد المعتصم للأفشين لقتال بابك الخُرَّمي.
220 - 835 م
عقد المعتصم للأفشين حيدر بن كاوس على الجبال، ووجهه لحرب بابك الخرمي فسار إليه، وكان ابتداء خروج بابك سنة إحدى ومائتين، ثم إن الأفشين سار إلى بلاد بابك، فنزل برزند، وعسكر بها وضبط الطرق والحصون فيما بينه وبين أردبيل، وأنزل محمد بن يوسف بموضع يقال له خش، فحفر خندقاً وأنزل الهيثم الغنوي برستاق أرشق، فأصلح حصنه، وحفر خندقه؛ وأنزل علويه الأعور، من قواد الأبناء، في حصن النهر مما يلي أردبيل، فكانت والقوافل تخرج من أردبيل ومعها من يحيمها، حتى تنزل بحصن النهر، ثم يسيرها صاحب حصن النهر إلى الهيثم الغنوي، فيلقاه الهيثم بمن جاء إليه من ناحية في موضع معروف لا يتعداه أحدهم إذا وصل إليه، فإذا لقيه أخذ ما معه، وسلم إليه ما معه، ثم يسير الهيثم بمن معه إلى أصحاب أبي سعيد، فيلقونه بمنتصف الطريق، ومعهم من خرج من العسكر، فيتسلمون ما مع الهيثم ويسلمون إليه ما معهم، وإذا سبق أحدهم إلى المنتصف لا يتعداه، ويسير أبو سعيد بمن معه إلى عسكر الأفشين فيلقاه صاحب سيارة الأفشين، فيتسلمهم منه، ويسلم إليه من صحبه من العسكر، فلم يزل الأمر على هذا. وكانوا إذا ظفروا بأحد من الجواسيس حملوه إلى الأفشين، فكان يحسن إليهم، ويهب لهم، ويسألهم عن الذي يعطيهم بابك، فيضعفه لهم، ويقول لهم: كونوا جواسيس لنا فكان ينتفع بهم.

اقتتال الأفشين وبابك وهزيمة أفشين.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

اقتتال الأفشين وبابك وهزيمة أفشين.
220 - 835 م
وجه المعتصم بغا الكبير إلى الأفشين، ومعه مال للجند، والنفقات، فوصل أردبيل، فبلغ بابك الخبر، فتهيأ هو وأصحابه ليقطعوا عليه قبل وصوله إلى الأفشين، فجاء جاسوس إلى الأفشين، فأخبره بذلك، فلما صح الخبر عند الأفشين كتب بغا أن يظهر أنه يريد الرحيل، ويحمل المال على الإبل، ويسير نحوه، حتى يبلغ حصن النهر، فيحبس الذي معه، حتى يجوز من صحبه من القافلة، فإذا جازوا رجع بالمال إلى أردبيل. ففعل بغا ذلك، وسارت القافلة، وجاءت جواسيس بابك إليه، فأخبروه أن المال قد سار فبلغ النهر، وركب الأفشين في اليوم الذي واعد فيه بغا عند العصر، من برزند، فنزل خارج خندق أبي سعيد، فلما أصبح ركب سرا ورحلت القافلة التي كانت توجهت ذلك اليوم من النهر إلى ناحية الهيثم، وتعبى بابك في أصحابه، وسار على طريق النهر، وهو يظن أن المال يصادفه، فخرجت خيل بابك على القافلة، ومعها صاحب النهر، فقاتلهم صاحب النهر، فقتلوه، وقتلوا من كان معه من الجند، وأخذوا جميع ما كان معهم، وعلموا أن المال قد فاتهم، وأخذوا علمه ولباس أصحابه، فلبسوها وتنكروا ليأخذوا الهيثم الغنوي ومن معه أيضا ولا يعلمون بخروج الأفشين، وجاؤوا كأنهم أصحاب النهر، فلم يعرفوا الموضع الذي يقف فيه علم صاحب النهر، فوقفوا في غيره وجاء الهيثم فوقف في موضعه وأنكر ما رأى، فوجه ابن عم له، فقال له: اذهب إلى هذا البغيض فقل له لأي شيء وقوفك، فجاء إليهم فأنكرهم، فرجع إليه فأخبره، فأنفذ جماعة غيره، فأنكروهم أيضا وأخبروه أن بابك قد قتل علويه، صاحب النهر، وأصحابه، وأخذ أعلامهم ولباسهم، فرحل الهيثم راجعا ونجى القافلة التي كانت معه، وبقي هو وأصحابه في أعقابهم حامية لهم حتى وصلت القافلة إلى الحصن، وسير رجلين من أصحابه إلى الأفشين وإلى أبي سعيد يعرفهما الخبر، ودخل الهيثم الحصن، ونزل بابك عليه، وأرسل إلى الهيثم أن خل الحصن وانصرف، فأبى الهيثم ذلك، فحاربه بابك وهو يشرب الخمر على عادته والحرب مشتبكة، وسار الفارسان، فلقيا الأفشين على أقل من فرسخ، وأجرى الناس خيلهم طلقاً واحدا حتى لحقوا بابك وهو جالس، فلم يطق أن يركب، حتى وافته الخيل، فاشتبكت الحرب، فلم يفلت من رجالة بابك أحد، وأفلت هو في نفر يسير من خيالته، ودخل موقان وقد تقطع عنه أصحابه، ورجع عنه الأفشين إلى برزند. وأقام بابك بموقان، وأرسل إلى البذ، فجاءه عسكر، فرحل بهم من موقان، حتى دخل البذ، ولم يزل الأفشين معسكراً ببرزند، فلما كان في بعض الأيام مرت قافلة، فخرج عليها أصبهنذ بابك، فأخذها وقتل من فيها فقحط عسكر الأفشين لذلك، فكتب الأفشين إلى صاحب مراغة بحمل الميرة وتعجيلها فوجه إليه قافلة عظيمة، ومعها جند يسيرون بها فخرج عليهم سرية لبابك، فأخذوها عن آخرها وأصاب العسكر ضيق شديد، فكتب الأفشين إلى صاحب شيروان يأمره أن يحمل إليه طعاما فحمل إليه طعاماً كثيرا وأغاث الناس، وقدم بغا على الأفشين بما معه.

القضاء على حكم بابك الخرمي في أذربيجان.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

القضاء على حكم بابك الخرمي في أذربيجان.
222 - 836 م
تقدم الأفشين حتى شارف الموضع الذي كانت به الوقعة في العام الماضي، فاختار ثلاثة أجبل كان عليها حصون فخربت، فسد الطريق إلى تلك الجبال، حتى صارت كالحصون، وأمر بحفر خندق على كل طريق وراء تلك الحجارة، وكان جماعة من الخرمية يأتون إلى قرب خندق الأفشين فيصيحون، فلم يترك الأفشين أحداً يخرج إليهم، فعلوا ذلك ثلاثة أيام؛ ثم إن الأفشين كمن لهم كمينا فإذا جاؤوا ثاروا عليهم، فهربوا ولم يعودوا. وعبأ الأفشين أصحابه، وأمر كلاً منهم بلزوم موضعه، وكان إذا أراد أن يتقدم إلى المكان الذي كانت به الوقعة عام أول، خلف بخارااخذاه على رأس العقبة في ألف فارس، وستمائة راجل، يحفظون الطريق لئلا يأخذه الخرمية عليهم. وكان بابك إذا أحس بمجيئهم وجه جمعاً من أصحابه، فيكمنون في واد تحت تلك العقبة، تحت بخارى اخذاه، واجتهد الأفشين أن يعرف مكان كمين بابك، فلم يعلم بهم، وكان بابك يخرج عسكره فيقف بإزاء هذه الكراديس، لئلا يتقدم منهم أحد إلى باب البذ. وكان يفرق عساكره كمينا ولم يبق إلا في نفر يسير. فصارت مناوشة بين بعض الخرمية وبعض جيش الأفشين كان من سببها تحرك الكمناء من الخرمية، فقال الأفشين: الحمد لله الذي بين مواضع هؤلاء، فأقام الأفشين بخندقه أياما فشكا المتطوعة إليه ضيق العلوفة، فوعد الأفشين الناس ليوم ذكره لهم، وأمر الناس بالتجهز وحمل المال والزاد والماء، فاشتبكت الحرب على الباب طويلاً ففتحت الخرمية الباب وخرجوا على أصحاب جعفر فنحوهم عن الباب وشدوا على المتطوعة من الناحية الأخرى، فطرحوهم عن السور، ورموهم بالصخر، وأثروا فيهم، وضعفوا عن الحرب، وأيس الناس من الفتح تلك السنة وانصرف أكثر المطوعة. ثم إن الأفشين تجهز بعد جمعتين، فلما كان جوف الليل بعث الرجالة الناشبة، وهم ألف رجل، إذا رأوا أعلام الأفشين ورأوا الوقعة انحدروا من فوق الجبل، ورموا بالنشاب والصخر على الخرمية، وإن هم لم يروا الأعلام لم يتحركوا حتى يأتيهم خبره. فلما بدأت الحرب وثب كمين بابك ببشير التركي والفراغنة، فحاربوهم، وسمع أهل العسكر صيحتهم، فأرادوا الحركة، فأمر الأفشين منادياً ينادي لا يتحركن أحد، فسكنوا ولما سمع الرجال الذين كان سيرهم حتى صاروا في أعلى الجيل ضجة العسكر ركبوا الأعلام على الرماح، فنظر الناس إلى الأعلام تنحدر من الجبل على خيل آذين، فوجه آذين إليهم بعض أصحابه. وحمل جعفر وأصحابه على آذين وأصحابه، حتى صعدوا إليه، فحملوا عليه حملة منكرة، فوجه الأفشين الفعلة يطمون تلك الآبار، ففعلوا وحمل الناس عليهم حملة شديدة. وكان آذين قد جعل فوق الجبل عجلاً عليها صخر، فلما حمل الناس عليه دفع تلك العجل عليهم، فأفرج الناس منها حتى تدحرجت، ثم حمل الناس من كل وجه، فلما نظر بابك إلى أصحابه قد أحدق بهم خرج من طرف البذ، مما يلي الأفشين، فأقبل نحوه، فقيل للأفشين: إن هذا بابك يريدك، فتقدم إليه، حتى سمع كلامه، وكلام أصحابه، والحرب مشتبكة في ناحية آذين، فقال: أريد الأمان من أمير المؤمنين، فقال له الأفشين: قد عرضت هذا عليك، وهو لك مبذول متى شئت، فقال: قد شئت الآن فجاء رسول الأفشين ليرد الناس، فقيل له إن أعلام الفراغنة قد دخلت البذ، وصعدوا بها القصور، فركب وصاح بالناس، فدخل، ودخلوا وصعد الناس بالأعلام فوق قصور بابك، وكان قد كمن في قصوره، وهي أربعة، ستمائة رجل، فخرجوا على الناس، فقاتلوهم، ومر بابك، حتى دخل الوادي الذي يلي هشتادسر، واشتغل الأفشين ومن معه بالحرب على أبواب القصور، فأحضر النفاطين فأحرقوها وهدم الناس القصور، فقتلوا الخرمية عن آخرهم، وأخذ الأفشين أولاد بابك وعيالاته، وبقي هناك حي أدركه المساء، فأمر الناس بالانصراف، فرجعوا إلى الخندق بروذ الروذ. وأما بابك فإنه سار فيمن معه، وكانوا قد عادوا إلى البذ، بعد رجوع الأفشين، فأخذوا ما أمكنهم من الطعام والأموال، ولما كان الغد رجع الأفشين إلى البذ، وأمر بهدم القصور وإحراقها فلم يدع منها بيتا وجاءت جواسيس الأفشين إليه فأعلموه بموضع بابك، فوجه الأفشين إلى كل موضع فيه طريق إلى الوادي جماعة من أصحابه يحفظونه، وورد كتاب المعتصم فيه أمان بابك، وقعد بابك في موضعه فلم يزل في تلك الغيضة حتى فني زادهن وخرج من بعض تلك الطرق، وساروا يريدون أرمينية، فرآهم الحراس، فلما رأى بابك العساكر ركب هو ومن معه، فنجا هو، وأخذ معاوية، وأم بابك والمرأة الأخرى، فأرسلهم أبو الساج إلى الأفشين. وسار بابك في جبال أرمينية مستخفيا فبينما بابك وابن سنباط يتصيدان إذ خرج عليهما أبو سعيد وبورماره في أصحابهما وعلى بابك دراعة بيضاء، فأخذوه وساروا به إلى الأفشين، فأدخله الأفشين بيتا ووكل به من يحفظه، فحبسه مع أخيه، وكتب إلى المعتصم بذلك، فأمره بالقدوم بهما عليه. وكان وصول بابك إلى الأفشين ببرزند لعشر خلون من شوال، وكان الأفشين قد أخذ نساء كثيرة وصبياناً كثيراً ذكروا أن بابك أسرهم، وأنهم أحرار من العرب والدهاقين، فأمر بهم فجعلوا في حظيرة كبيرة، وأمرهم أن يكتبوا إلى أوليائكم، فكل من جاء يعرف امرأة، أوصبيا أو جارية، وأقام شاهدين أخذه، فأخذ الناس منهم خلقاً كثيرا وبقي كثير منهم.

قدوم بابك إلى سامرا وقتله.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

قدوم بابك إلى سامرا وقتله.
223 صفر - 838 م
بعد أن أنهى الله فتنة بابك الخرمي وقضى عليه وعلى جيشه الأفشين ومن معه وقبض على بابك وحبسه وراسل المعتصم فأمره بتسييرهم إليه وفي يوم الخميس ثالث صفر منها دخل الأفشين وصحبته بابك على المعتصم سامرا، ومعه أيضا أخو بابك في تجمل عظيم، وقد أمر المعتصم ابنه هارون الواثق أن يتلقى الأفشين، وأمر بابك أن يركب على فيل ليشهر أمره ويعرفوه، وعليه قباء ديباج وقلنسوة سمور مدورة، وقد هيأوا الفيل وخضبوا أطرافه ولبسوه من الحرير والأمتعة التي تليق به شيئا كثيرا، ولما أحضر بين يدي المعتصم أمر بقطع يديه ورجليه وجز رأسه وشق بطنه، ثم أمر بحمل رأسه إلى خراسان وصلب جثته على خشبة بسامرا، وكان بابك قد شرب الخمر ليلة قتله وهي ليلة الخميس لثلاث عشرة خلت من ربيع الآخر من هذه السنة، ولما قتله المعتصم توج الأفشين وقلده وشاحين من جوهر، وأطلق له عشرين ألف ألف درهم، وكتب له بولاية السند، وأمر الشعراء أن يدخلوا عليه فيمدحوه على ما فعل من الخير إلى المسلمين، وعلى تخريبه بلاد بابك التي يقال لها البذ وتركه إياها قيعانا وخرابا.

الملك مسعود الغزنوي يهزم الملك طغرلبك السلجوقي.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

الملك مسعود الغزنوي يهزم الملك طغرلبك السلجوقي.
430 شعبان - 1039 م
في صفر من هذه السنة وصل الملك مسعود إلى بلخ من غزنة، فجمع أصحابه، ولقي شاه ملك وقاتله، ودامت الحرب بينهما مدة شهر، وانهزم إسماعيل، والتجأ إلى طغرلبك وأخيه داود السلجقية، وملك شاه ملك خوارزم، ثم سار مسعود بن سبكتكين من بلخ بنفسه، وقصد سرخس، فتجنب الغز لقاءه، وعدلوا إلى المراوغة والمخاتلة، وأظهروا العزم على دخول المفازة التي بين مرو وخوارزم، فبينما عساكر مسعود تتبعهم وتطلبهم إذ لقوا طائفة منهم، فقاتلوهم وظفروا بهم وقتلوا منهم، ثم إنه واقعهم بنفسه، في شعبان من هذه السنة، وقعة استظهر فيها عليهم، فأبعدوا عنه، ثم عاودوا القرب منه بنواحي مرو، فواقعوهم وقعة أخرى قتل منهم فيها نحو ألف وخمسمائة قتيل، وهرب الباقون فدخلوا البرية التي يحتمون بها، وثار أهل نيسابور بمن عندهم منهم، فقتلوا بعضاً، وانهزم الباقون إلى أصحابهم بالبرية وعدل مسعود إلى هراة ليتأهب في العساكر للمسير خلفهم وطلبهم أين كانوا، فعاد طغرلبك إلى الأطراف النائية عن مسعود، فنهبها وأثخن فيها، فحينئذ سار مسعود يطلبه، فلما قاربه انزاح طغرلبك من بين يديه إلى أستوا وأقام بها، وكان الزمان شتاء، ظناً منه أن الثلج والبرد يمنع عنه، فطلبه مسعود إليها، ففارقه طغرلبك وسلك الطريق على طوس، واحتمى بجبال منيعة، ومضايق صعبة المسلك، فسير مسعود في طلبه وزيره أحمد بن محمد بن عبد الصمد في عساكر كثيرة، فطوى المراحل إليه جريدة، فواقعوهم فانتصروا عليه، واستأمن من أصحابه جماعة كثيرة، ورأى الطلب له من كل جانب، فعاود دخول المفازة إلى خوارزم وأوغل فيها، وسار مسعود إلى نيسابور في جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، ليريح ويستريح، وينتظر الربيع ليسير خلف الغز، ويطلبهم في المفاوز التي احتموا بها. وكانت هذه الوقعة، وإجلاء الغز عن خراسان

انتصار السلطان السلجوقي طغرل بك على جيش الدولة الغزنوية في معركة دندانكان.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

انتصار السلطان السلجوقي طغرل بك على جيش الدولة الغزنوية في معركة دندانكان.
431 رمضان - 1040 م
انتصر السلطان السلجوقي طغرل بك على جيش الدولة الغزنوية في معركة دندانكان، واستولى على خراسان، وأجبر الغزنويين على الاعتراف بالدولة السلجوقية كأكبر وأقوى دولة في المنطقة.

ملك طغرلبك جرجان وطبرستان.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

ملك طغرلبك جرجان وطبرستان.
433 - 1041 م
ملك طغرلبك السلجوقي جرجان وطبرستان، وسبب ذلك أن أنوشروان ابن منوجهر بن قابوس بن وشمكير صاحبها قبض على أبي كاليجار بن ويهان القوهي، صاحب جيشه، وزوج أمه بمساعدة أمه عليه، فعلم حينئذ طغرلبك أن البلاد لا مانع له عنها، فسار إليها، وقصد جرجان ومعه مرداويج بن بسو، فلما نازلها فتح له المقيم بها، فدخلها وقرر على أهلها مائة ألف دينار صلحاً، وسلمها إلى مرداويج بن بسو، وقرر عليه خمسين ألف دينار كل سنة عن جميع الأعمال، وعاد إلى نيسابور، وقصد مرداويج أنوشروان بسارية، وكان بها، فاصطلحا على أن ضمن أنوشروان له ثلاثين ألف دينار، وأقيمت الخطبة لطغرلبك في البلاد كلها، وتزوج مرداويج بوالدة أنوشروان، وبقي أنوشروان يتصرف بأمر مرداويج لا يخالفه في شيء البتة.

استيلاء طغرلبك على البلاد الشرقية (خوارزم ودهستان وطيس والري وكرمان وقزوين).

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

استيلاء طغرلبك على البلاد الشرقية (خوارزم ودهستان وطيس والري وكرمان وقزوين).
434 - 1042 م
سار طغرلبك إلى خوارزم فحصرها وملكها واستولى عليها، وانهزم شاهملك بين يديه، واستصحب أمواله وذخائره، ومضى في المفازة إلى دهستان، ثم انتقل عنها إلى طبس، ثم إلى أطراف كرمان، ثم إلى عمال التيز ومكران، فلما وصل إلى هناك علم خلاصه ببعده، وأمن في نفسه، ثم خرج طغرلبك من خراسان إلى الري، بعد فراغه من خوارزم، وجرجان، وطبرستان، فلما سمع أخوه إبراهيم ينال بقدومه سار إليه فلقيه، وتسلم طغرلبك الري منه، وتسلم غيرها من بلد الجبل وسار إبراهيم إلى سجستان، وأخذ طغرلبك أيضاً قلعة طبرك من مجد الدولة بن بويه، وأقام عنده مكرماً، وأمر طغرلبك بعمارة الري وكانت قد خربت، ثم ساروا إلى قزوين، فامتنع عليه أهلها، فزحف إليهم ورماهم بالسهام والحجارة، فلم يقدروا أن يقفوا على السور، وقتل من أهل البلد برشق، وأخذ ثلاثمائة وخمسين رجلاً، فلما رأى كامرو ومرداويج بن بسو ذلك خافوا أن يملك البلد عنوة وينهب، فمنعوا الناس من القتال، وأصلحوا الحال على ثمانين ألف دينار، وصار صاحبها في طاعته، ثم إنه أرسل إلى كوكتاش وبوقا وغيرهما من أمراء الغز، الذين تقدم خروجهم، يمنيهم، ويدعوهم إلى الحضور في خدمته، وأرسل طغرلبك إلى ملك الديلم يدعوه إلى الطاعة، ويطلب منه مالاً، ففعل ذلك، وحمل إليه مالاً وعروضاً، وأرسل أيضاً إلى سلار الطرم يدعوه إلى خدمته، ويطالبه بحمل مائتي ألف دينار، فاستقر الحال بينهما على الطاعة وشيء من المال. وأرسل سرية إلى أصبهان، وبها أبو منصور فرامرز بن علاء الدولة، فأغارت على أعمالها وعادت سالمة، وخرج طغرلبك من الري، وأظهر قصد أصبهان، فراسله فرامرز، وصانعه بمال، فعاد عنه وسار إلى همذان فملكها من صاحبها كرشاسف بن علاء الدولة، ثم عاد إلى الري، واستناب بهمذان ناصراً العلوي، وسير طغرلبك طائفة من أصحابه إلى كرمان مع أخيه إبراهيم ينال، بعد أن دخل الري، وقيل إن إبراهيم لم يقصد كرمان، وإنما قصد سجستان، وكان مقدم العساكر التي سارت إلى كرمان غيره، فلما وصلوا إلى أطراف كرمان نهبوا، ولم يقدموا على التوغل فيها، فلم يروا من العساكر من يكفهم، فتوسطوا وملكوا عدة مواضع منها ونهبوها، فبلغ الخبر إلى الملك أبي كاليجار، صاحبها، فسير وزيره مهذب الدولة في العساكر الكثيرة، فخرجت الغز إلى الجمال والبغال والميرة ليأخذوها، وسمع مهذب الدولة ذلك، فسير طائفة من العسكر لمنعهم، فتواقعوا واقتتلوا، وتكاثر الغز، فسمع مهذب الدولة الخبر، فسار في العساكر إلى المعركة، وهم يقتتلون، وقد ثبتت كل طائفة لصاحبتها واشتد القتال، فلما وصل مهذب الدولة إلى المعركة انهزم الغز وتركوا ما كانوا ينهبونه، ودخلوا المفازة، وتبعهم الديلم إلى رأس الحد، وعادوا إلى كرمان فأصلحوا ما فسد منها.
حصار طغرلبك أصبهان.
438 - 1046 م
حصر طغرلبك مدينة أصبهان، وبها صاحبها أبو منصور فرامرز ابن علاء الدولة، فضيق عليه، ولم يظفر من البلد بطائل، ثم اصطلحوا على مال يحمله فرامرز بن علاء الدولة لطغرلبك، وخطب له بأصبهان وأعمالها.

الصلح بين طغرلبك وأبي كاليجار (سلطان الدولة).

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

الصلح بين طغرلبك وأبي كاليجار (سلطان الدولة).
439 ربيع الثاني - 1047 م
أرسل الملك أبو كاليجار إلى السلطان ركن الدين طغرلبك في الصلح، فأجابه إليه، واصطلحا، وكتب طغرلبك إلى أخيه ينال يأمره بالكف عما وراء ما بيده، واستقر الحال بينهما أن يتزوج طغرلبك بابنة أبي كاليجار، ويتزوج الأمير أبو منصور بن أبي كاليجار بابنة الملك داود أخي طغرلبك، وتم العقد.

فرقة بين الملك طغرلبك وبين أخيه إبراهيم ينال.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

فُرقة بين الملك طغرلبك وبين أخيه إبراهيم ينال.
441 - 1049 م
سبب ذلك أن طغرلبك طلب من إبراهيم ينال أن يسلم إليه مدينة همذان والقلاع التي بيده من بلد الجبل، فامتنع من ذلك، واتهم وزيره أبا علي بالسعي بينهما في الفساد، فقبض عليه، وأمر فضرب بين يديه، وسمل إحدى عينيه، وقطع شفتيه، وسار عن طغرلبك، وجمع جمعاً من عسكره، والتقيا، وكان بين العسكرين قتال شديد انهزم ينال وعاد منهزماً، فسار طغرلبك في أثره، فملك قلاعه وبلاده جميعها، وتحصن إبراهيم ينال بقلعة سرماج، وامتنع على أخيه، فحصره طغرلبك فيها، وكانت عساكره قد بلغت مائة ألف من أنواع العسكر، وقاتله، فملكها في أربعة أيام، وهي من أحصن القلاع وأمنعها، واستنزل ينال منها مقهوراً، وأرسل إلى نصر الدولة بن مروان يطلب منه إقامة الخطبة له في بلاده، فأطاعه وخطب له في سائر ديار بكر، وراسل ملك الروم طغرلبك، وأرسل إليه هدية عظيمة، وطلب منه المعاهدة، فأجابه إلى ذلك، وعمروا مسجد القسطنطينية، وأقاموا فيه الصلاة والخطبة لطغرلبك، ودان حينئذ الناس كلهم له، وعظم شأنه وتمكن ملكه وثبت، ولما نزل ينال إلى طغرلبك أكرمه وأحسن إليه، ورد عليه كثيراً مما أخذ منه، وخيره بين أن يقطعه بلاداً يسير إليها، وبين أن يقيم معه، فاختار المقام معه.

فتح طغرلبك بلاد أصبهان.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

فتح طغرلبك بلاد أصبهان.
442 محرم - 1050 م
كان أبو منصور بن علاء الدولة، صاحب أصبهان، غير ثابت على طريقة واحدة مع السلطان طغرلبك، كان يكثر التلون معه، تارة يطيعه وينحاز إليه، وتارة ينحرف عنه ويطيع الملك الرحيم البويهي، فأضمر له طغرلبك سوءاً، فلما عاد هذه الدفعة من خراسان لأخذ البلاد الجبلية من أخيه إبراهيم ينال، واستولى عليها، وعدل إلى أصبهان عازماً على أخذها من أبي منصور، فسمع ذلك، فتحصن ببلده، واحتمى بأسواره، ونازله طغرلبك في المحرم، وأقام على محاصرته نحو سنة، وكثرت الحروب بينهما، إلا أن طغرلبك قد استولى على سواد البلد، وأرسل سرية من عسكره نحو فارس، فبلغوا إلى البيضاء، فأغاروا على السواد هناك وعادوا غانمين ولما طال الحصار على أصبهان، وأخرب أعمالها، ضاق الأمر بصاحبها وأهلها، وأرسلوا إليه يبذلون له الطاعة والمال، فلم يجبهم إلى ذلك، ولم يقنع منهم إلا بتسليم البلد، فصبروا حتى نفدت الأقوات، وامتنع الصبر، وانقطعت المواد، وسلموا البلد إليه فدخله وأخرج أجناده منه وأقطعهم في بلاد الجبل، وأحسن إلى الرعية، وأقطع صاحبها أبا منصور ناحيتي يزد وأبرقوية، وتمكن من أصبهان ودخلها في المحرم من سنة ثلاث وأربعين واستطابها، وأقام فيها.

غزو السلطان طغرلبك أذربيجان ثم الروم.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

غزو السلطان طغرلبك أذربيجان ثم الروم.
446 - 1054 م
سار طغرلبك إلى أذربيجان، فقصد تبريز، وصاحبها الأمير أبو منصور وهسوذان بن محمد الروادي، فأطاعه وخطب له وحمل إليه ما أرضاه به، وأعطاه ولده رهينة، فسار طغرلبك عنه إلى الأمير أبي الأسوار، صاحب جنزة، فأطاعه أيضاً وخطب له، وكذلك سائر تلك النواحي أرسلوا إليه يبذلون الطاعة والخطبة، وانقادت العساكر إليه، فأبقى بلادهم عليهم، وأخذ رهائنهم وسار إلى أرمينية، وقصد ملازكرد، وهي للروم، فحصرها وضيق على أهلها، ونهب ما جاورها من البلاد وأخربها، وهي مدينة حصينة، فأرسل إليه نصر الدولة بن مروان، صاحب ديار بكر، الهدايا الكثيرة والعساكر، وقد كان خطب له قبل هذا الوقت وأطاعه، وأثر السلطان طغرلبك في غزو الروم آثاراً عظيمة، ونال منهم من النهب والقتل والأسر شيئاً كثيراً، وبلغ في غزوته هذه إلى أرزن الروم، وعاد إلى أذربيجان، لما هجم الشتاء، من غير أن يملك ملازكرد، وأظهر أنه يقيم إلى أن ينقضي الشتاء، ويعود يتم غزاته، ثم توجه إلى الري فأقام بها إلى أن دخلت سنة سبع وأربعين وعاد نحو العراق.

طغرلبك يدخل بغداد وانتهاء حكم البويهيين فيها.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

طغرلبك يدخل بغداد وانتهاء حكم البويهيين فيها.
447 رمضان - 1055 م
كانت الوحشة قد حصلت بين الخليفة وبين البساسيري وقد استدعى الخليفة طغرلبك إلى بغداد بسبب هذا الأمر فوصل السلطان طغرلبك إلى بغداد في رمضان هذه السنة، وقد تلقاه أثناء الطريق الأمراء والوزراء والحجاب، ودخل بغداد في أبهة عظيمة جدا، وخطب له بها ثم بعده للملك الرحيم، ثم قطعت خطبة الملك الرحيم، ورفع إلى القلعة معتقلا عليه، وكان آخر ملوك بني بويه، وكانت مدة ولايتهم قريب المائة والعشر سنين، وكان ملك الملك الرحيم لبغداد ست سنين وعشرة أيام ونزل طغرلبك دار المملكة بعد الفراغ من عمارتها، ونزل أصحابه دور الأتراك وكان معه ثمانية فيلة، ووقعت الفتنة بين الأتراك والعامة ونهب الجانب الشرقي بكماله، وجرت خبطة عظيمة، وأما البساسيري فإنه فر من الخليفة إلى بلاد الرحبة وكتب إلى صاحب مصر بأنه على إقامة الدعوى له بالعراق، فأرسل إليه بولاية الرحبة ونيابته بها، ليكون على أهبة الأمر الذي يريد.

زواج السلطان طغرلبك من ابنة الخليفة العباسي.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

زواج السلطان طغرلبك من ابنة الخليفة العباسي.
454 شعبان - 1062 م
خطب الملك طغرلبك ابنة الخليفة، فانزعج الخليفة من ذلك، وقال: هذا شيء لم تجر العادة بمثله، ثم طلب شيئا كثيرا كهيئة الفرار، من ذلك أنه طلب ما كان لزوجته التي توفيت من الإقطاعات بأرض واسط، وثلثمائة ألف دينار، وأن يقيم الملك طغرلبك ببغداد لا يرحل عنها ولا يوما واحدا، فوقع الاتفاق على بعض ذلك، وأرسل إليها بمائة ألف دينار مع ابنة أخيه داود زوجة الخليفة، وأشياء كثيرة من آنية الذهب والفضة، والنثار والجواري، ومن الجواهر ألفان ومائتي قطعة، من ذلك سبعمائة قطعة من جوهر، وزن القطعة ما بين الثلاث مثاقيل إلى المثقال، وأشياء أخرى، فتمنع الخليفة لفوات بعض الشروط، فغضب عميد الملك الوزير لمخدومه السلطان، وجرت شرور طويلة اقتضت أن أرسل السلطان كتابا يأمر الخليفة بانتزاع ابنة أخيه السيدة أرسلان خاتون، ونقلها من دار الخلافة إلى دار الملك، حتى تنفصل هذه القضية، فعزم الخليفة على الرحيل من بغداد، فانزعج الناس لذلك، وجاء كتاب السلطان إلى رئيس شحنة بغداد برشتق يأمره بعدم المراقبة وكثرة العسف في مقابلة رد أصحابه بالحرمان، ويعزم على نقل الخاتون إلى دار الملكة، وأرسل من يحملها إلى البلد التي هو فيها، كل ذلك غضبا على الخليفة، ووردت الكتب الكثيرة من الملك طغرلبك يشكو من قلة إنصاف الخليفة، وعدم موافقته له، ويذكر ما أسداه إليه من الخير والنعم إلى ملوك الأطراف، وقاضي القضاة الدامغاني، فلما رأى الخليفة ذلك، وأن الملك أرسل إلى نوابه بالاحتياط على أموال الخليفة، كتب إلى الملك يجيبه إلى ما سأل، فلما وصل ذلك إلى الملك فرح فرحا شديدا، وأرسل إلى نوابه أن يطلقوا أملاك الخليفة، واتفقت الكلمة بعد أن كادت تتفرق، فوكل الخليفة في العقد، فوقع العقد بمدينة تبريز بحضرة الملك طغرلبك، وعمل سماطا عظيما، فلما جيء بالموكلة قام لها الملك وقبل الأرض عند رؤيتها، ودعا للخليفة دعاء كثيرا، ثم أوجب العقد على صداق أربعمائة ألف دينار، وذلك في يوم الخميس الثالث عشر من شعبان، ثم بعث ابنة أخيه الخاتون زوجة الخليفة في شوال بتحف كثيرة، وجوهر وذهب كثير، وجواهر عديدة ثمينة، وهدايا عظيمة لأم العروس وأهلها، ولما استقر السلطان ببغداد أرسل وزيره عميد الملك إلى الخليفة يطالبه بنقل ابنته إلى دار المملكة فتمنع الخليفة من ذلك وقال: إنكم إنما سألتم أن يعقد العقد فقط بحصول التشريف والتزمتم لها بعود المطالبة، فتردد الناس في ذلك بين الخليفة والملك، وأرسل الملك زيادة على النقد مائة ألف دينار ومائة وخمسين ألف درهم، وتحفا أخر، وأشياء لطيفة، فلما كان ليلة الاثنين الخامس عشر من صفر (في السنة التالية) زفت السيدة ابنة الخليفة إلى دار المملكة، فضربت لها السرادقات من دجلة إلى دار المملكة، وضربت الدبادب والبوقات عند دخولها إلى الدار.

وفاة السلطان طغرلبك وتولي ابن أخيه بعده.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

وفاة السلطان طغرلبك وتولي ابن أخيه بعده.
455 رمضان - 1063 م
سار السلطان طغرلبك من بغداد، في ربيع الأول، إلى بلد الجبل، فوصل إلى الري واستصحب معه أرسلان خاتون ابنة أخيه، زوجة الخليفة، لأنها شكت اطراح الخليفة لها، فأخذها معه، فمرض، فلما كانت ليلة الأحد الرابع والعشرين من رمضان جاء الخبر بأنه توفي في ثامن الشهر، فثار العيارون فقتلوا العميدي وسبعمائة من أصحابه، ونهبوا الأموال، وجعلوا يأكلون ويشربون على القتلى نهارا، حتى انسلخ الشهر وأخذت البيعة بعده لولد أخيه سليمان بن داود، وكان طغرلبك قد نص عليه وأوصى إليه، لأنه كان قد تزوج بأمه، واتفقت الكلمة عليه، ولم يبق عليه خوف إلا من جهة أخيه الملك عضد الدولة ألب أرسلان محمد بن داود، وكان مدة ملك طغرلبك بحضرة القائم بأمر الله سبع سنين وإحدى عشر شهرا، واثني عشر يوما.

ألب أرسلان يخلف طغرلبك السلجوقي.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

ألب أرسلان يخلف طغرلبك السلجوقي.
455 رمضان - 1063 م
لما خطب لسليمان بن داود بالسلطنة اختلف الأمراء، فمضى باغي سيان وأردم إلى قزوين، وخطبا لعضد الدولة ألب أرسلان محمد بن داود جغري بك، وهو حينئذ صاحب خراسان، ومعه نظام الملك وزيره، والناس مائلون إليه، وكذلك الجيش كانوا يميلون إليه، وقد خطب له أهل الجبل ومعه نظام الملك أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق وزيره، ولما رأى الكندري قوة أمره خطب له بالري، ثم من بعده لأخيه سليمان بن داود.

رجوع السلطان طغرل بك إلى طاعة أخيه محمود.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

رجوع السلطان طغرل بك إلى طاعة أخيه محمود.
516 محرم - 1122 م
أطاع الملك طغرل أخاه السلطان محموداً، وكان قد خرج عن طاعته، وقصد أذربيجان في السنة الخالية ليتغلب عليها، وكان أتابكه كنتغدي يحسن له ذلك، ويقويه عليه، فاتفق أنه مرض، وتوفي في شوال سنة خمس عشرة وخمسمائة، وكان الأمير آقسنقر الأحمديلي، صاحب مراغة، عند السلطان محمود ببغداد، فاستأذنه في المضي إلى إقطاعه، فأذن له، فلما سار عن السلطان ظن أنه يقوم مقام كنتغدي من الملك طغرل، فسار إليه، واجتمع به، وأشار عليه بالمكاشفة لأخيه السلطان محمود، وقال له: إذا وصلت إلى مراغة اتصل بك عشرة آلاف فارس وراجل. فسار معه، فلما وصلوا إلى أردبيل أغلقت أبوابها دونهم، فساروا عنها إلى قريب تبريز، فأتاهم الخبر أن السلطان محموداً سير الأمير جيوش بك إلى أذربيجان، وأقطعه البلاد، وأنه نزل مراغة في عسكر كثيف من عند السلطان، فلما تيقنوا ذلك عدلوا إلى خونج، وانتفض عليهم ما كانوا فيه، وراسلوا الأمير شيركير الذي كان أتابك طغرل، أيام أبيه، يدعونه إلى إنجادهم، وقد كان كنتغدي قبض عليه بعد موت السلطان محمد، ثم أطلقه السلطان سنجر، فعاد إلى إقطاعه، أبهر، وزنجان، وكاتبوه فأجابهم، واتصل بهم، وسار معهم إلى أبهر، فلم يتم لهم ما أرادوا، فراسلوا السلطان بالطاعة، فأجابهم إلى ذلك، فاستقرت القاعدة أول هذه السنة، وتمت.

مصاف بين طغتكين أتابك والفرنج بالشام.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

مصاف بين طغتكين أتابك والفرنج بالشام.
520 ذو الحجة - 1127 م
اجتمعت الفرنج وملوكها وقمامصتها وكنودها وساروا إلى نواحي دمشق فنزلوا بمرج الصفر عند قرية يقال لها سقحبا بالقرب من دمشق، فعظم الأمر على المسلمين واشتد خوفهم، وكاتب طغتكين أتابك صاحبها أمراء التركمان من ديار بكر وغيرها وجميعهم وكان هو قد سار عن دمشق إلى جهة الفرنج واستخلف بها ابنه تاج الملوك بوري فكان بها، كما جاءت طائفة أحسن ضيافتهم وسيرهم إلى أبيه، فلما اجتمعوا سار بهم طغتكين إلى الفرنج فالتقوا أواخر ذي الحجة واقتتلوا، واشتد القتال، فسقط طغتكين على فرسه، فظن أصحابه أنه قتل، فانهزموا وركب طغتكين فرسه ولحقهم وتبعهم الفرنج وبقي التركمان لم يقدروا أن يلحقوا بالمسلمين في الهزيمة فتخلفوا، فلما رأوا فرسان الفرنج قد تبعوا المنهزمين وأن معسكرهم وراجلهم ليس له منع ولا حام حملوا على الرجالة فقتلوهم ولم يسلم منهم إلا الشريد، ونهبوا معسكر الفرنج وخيامهم وأموالهم وجميع ما معهم وفي جملته كنيسة وفيها من الذهب والجواهر ما لا يحصى كثرة فنهبوا ذلك جميعه وعادوا إلى دمشق سالمين لم يعدم منهم أحد. ولما رجع الفرنج من أثر المنهزمين ورأوا رجالتهم قتلى وأموالهم منهوبة تموا منهزمين لا يلوي الأخ على أخيه، وكان هذا من الغريب أن طائفتين تنهزمان كل واحدة منهما من صاحبتها.

وفاة طغتكين الأتابك صاحب دمشق التركي.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

وفاة طغتكين الأتابك صاحب دمشق التركي.
522 صفر - 1128 م
في ثامن صفر توفي أتابك طغتكين، صاحب دمشق، وهو مملوك الملك تتش بن ألب أرسلان، وكان عاقلاً، خيراً، كثير الغزوات والجهاد للفرنج، حسن السيرة في رعيته، مؤثراً للعدل فيهم، وكان لقبه ظهير الدين، ولما توفي ملك بعده ابنه تاج الملوك بوري، وهو أكبر أولاده، بوصية من والده بالملك، وأقر وزير أبيه أبو علي طاهر بن سعد المزدقاني على وزارته.
حصر أتابك زنكي دمشق.
529 جمادى الأولى - 1135 م
حصر أتابك زنكي دمشق، وكان نزوله عليها أول جمادى الأولى، وسببه إرسال شمس الملوك صاحبها إليه واستدعاءه ليسلمها إليه، فقتل شمس الملوك قبل وصوله، وسار إلى دمشق فنازلها، وأجفل أهل السواد إلى دمشق، واجتمعوا فيها على محاربته ونزل أولاً شماليها ثم انتقل إلى ميدان الحصار، وزحف وقاتل، فرأى قوة ظاهرة وشجاعة عظيمة واتفاقاً تاماً على محاربته، فبينما هو يحاصرها ووصل رسول الخليفة المسترشد بالله وهو أبو بكر بن بشر الجزري من جزيرة ابن عمر بخلع لأتابك زنكي، ويأمره بمصالحة صاحب دمشق الملك ألب أرسلان محمود الذي مع أتابك زنكي، فرحل عنها لليلتين بقيتا من جمادى الأولى.

ملك أتابك زنكي قلعة بعرين وهزيمة الفرنج.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

ملك أتابك زنكي قلعة بعرين وهزيمة الفرنج.
531 شوال - 1137 م
سار أتابك زنكي من الموصل إلى الشام وحصر قلعة بعرين، وهي تقارب مدينة حماة، وهي من أمنع معاقل الفرنج وأحصنها، فلما نزل عليها قاتلها، وزحف إليها، فجمع الفرنج فارسهم وراجلهم، وساروا في قضهم وقضيضهم، وملوكهم وقمامصتهم وكنودهم، إلى أتابك ليرحلوه عن بعرين، فلم يرحل وصبر لهم إلى أن وصلوا إليه، فلقيهم وقاتلهم أشد قتال رآه الناس، وصبر الفريقان ثم أجلت الوقعة عن هزيمة الفرنج، وأخذتهم سيوف المسلمين من كل جانب، واحتمى ملوكهم وفرسانهم بحصن بعرين لقربه منهم، فحصرهم زنكي فيه ومنع عنهم كل شيء حتى الأخبار فكان من به منهم لا يعلم شيئاً من أخبار بلادهم لشدة ضبط الطرق وهيبته على جنده، ثم إن القسوس والرهبان دخلوا بلاد الروم وبلاد الفرنج وما والاها مستنفرين على المسلمين، وأعلموهم أن زنكي أخذ قلعة بعرين ومن فيها من الفرنج ملك جميع بلادهم فبأسرع وقت، وأن المسلمين ليس لهم همة إلا قصد البيت المقدس، فحينئذ اجتمعت النصرانية وساروا على الصعب والذلول، وقصدوا الشام، وكان منهم ما نذكره، وأما زنكي فإنه جد في قتال الفرنج، فصبروا وقلت عليهم الذخيرة، فإنهم كانوا غير مستعدين، ولم يكونوا يعتقدون أن أحداً يقدم عليهم بل كانوا يتوقعون ملك باقي الشام، فلما قلت الذخيرة أكلوا دوابهم، وأذعنوا بالتسليم ليؤمنهم، ويتركهم يعودون إلى بلادهم، فلم يجبهم إلى ذلك، فلما سمع باجتماع من بقي من الفرنج ووصول من قرب إليهم أعطى لمن في الحصن الأمان، وقرر عليهم خمسين ألف دينار يحملونها إليه، فأجابوه إلى ذلك فأطلقهم فخرجوا وسلموا إليه، وكان زنكي في مدة مقامه عليهم قد فتح المعرة وكفر طاب من الفرنج فكان أهلها وأهل سائر الولايات التي بين حلب وحماة مع أهل بعرين في الخزي لأن الحرب بينهم قائمة على ساق، والنهب والقتل لا يزال بينهم، فلما ملكها أمن الناس، وعمرت البلاد وعظم دخلها، وكان فتحاً مبيناً.
ملك أتابك زنكي بعلبك.
533 ذو الحجة - 1139 م
سار عماد الدين أتابك زنكي بن آقسنقر إلى بعلبك، فحصرها ثم ملكها؛ وسبب ذلك أن محموداً صاحب دمشق لما قتل كانت والدته زمرد خاتون عند أتابك زنكي بحلب، قد تزوجها، فوجدت لقتل ولدها وجداً شديداً، وحزنت عليه، وأرسلت إلى زنكي وهو بديار الجزيرة تعرفه الحادثة، وتطلب منه أن يقصد دمشق ويطلب بثأر ولدها. فلما وقف على هذه الرسالة بادر في الحال من غير توقف ولا تريث، وسار مجداً ليجعل ذلك طريقاً إلى ملك البلد، وعبر الفرات عازماً على قصد دمشق، فاحتاط من بها، واستعدوا، واستكثروا من الذخائر، ولم يتركوا شيئاً مما يحتاجون إليه إلا وبذلوا الجهد في تحصيله، وأقاموا ينتظرون وصوله إليهم، فتركهم وسار إلى بعلبك، فوصل إليها في العشرين من ذي الحجة من السنة فنازلها في عساكره، وضيق عليها، وجد في محاربتها، ونصب عليها من المنجنيقات أربعة عشر عدداً ترمي ليلاً ونهاراً، فأشرف من بها على الهلاك، وطلبوا الأمان، وسلموا إليه المدينة، وبقيت القلعة وبها جماعة من شجعان الأتراك، فقاتلهم، فلما أيسوا من معين ونصير طلبوا الأمان فأمنهم، فسلموا القلعة إليه، فلما نزلوا منها وملكها غدر بهم وأمر بصلبهم فصلبوا ولم ينج منهم إلا القليل، فاستقبح الناس ذلك من فعله واستعظموه وخافه غيرهم وحذروه ولاسيما أهل دمشق فإنهم قالوا: لو ملكنا لفعل بنا مثل فعله بهؤلاء؛ فازدادوا نفوراً وجداً في محاربته، ولما ملك زنكي بعلبك أخذ الجارية التي كانت لمعين الدين أنز بها، فتزوجها بحلب.
حصار أتابك زنكي دمشق.
534 ربيع الأول - 1139 م
حصر أتابك زنكي دمشق مرتين، فأما المرة الأولى فإنه سار إليها في ربيع الأول من بعلبك بعد الفراغ من أمرها، وتقرير قواعدها وإصلاح ما تشعث منها، ليحصرها، فنزل في البقاع، وأرسل إلى جمال الدين صاحبها يبذل له بلداً يقترحه ليسلم إليه دمشق، فلم يجبه إلى ذلك، فرحل وقصد دمشق، فنزل على داريا ثالث عشر ربيع الأول فالتفت الطلائع واقتتلوا، وكان الظفر لعسكر زنكي وعاد الدمشقيون منهزمين، فقتل كثير منهم، ثم تقدم زنكي إلى دمشق، فنزل هناك، ولقيه جمع كثير من جند دمشق وأحداثها ورجالة الغوطة، فقاتلوه، فانهزم الدمشقيون، وأخذهم السيف، فقتل فيهم وأكثر، وأسر كذلك، ومن سلم عاد جريحاً. وأشرف البلد ذلك اليوم على أن يملك، لكن عاد زنكي عن القتال وأمسك عنه عدة أيام، وتابع الرسل إلى صاحب دمشق، وبذل له بعلبك وحمص وغيرهما مما يختاره من البلاد، فمال إلى التسليم، وامتنع غيره من أصحابه من ذلك، وخوفوه عاقبة فعله، وأن يغدر به كما غدر بأهل بعلبك، فلما لم يسلموا إليه عاود القتال والزحف، ثم إن جمال الدين صاحب دمشق مرض ومات ثامن شعبان، وطمع زنكي حينئذ في البلد، وزحف إليه زحفاً شديداً ظناً منه أنه ربما يقع بين المقدمين والأمراء خلاف فيبلغ غرضه، وكان ما أمله بعيداً، فلما مات جمال الدين ولي بعده مجير الدين أبق ولده، وتولى تدبير دولته معين الدين أنز فلم يظهر لموت أبيه أثر مع أن عدوهم على باب المدينة؛ فلما رأى أنز أن زنكي لا يفارقهم، ولا يزول عن حصرهم، راسل الفرنج، واستدعاهم إلى نصرته، وأن يتفقوا على منع زنكي عن دمشق، وبذل لهم بذولاً من جملتها أن يحصر بانياس ويأخذها ويسلمها إليهم، وخوفهم من زنكي إن ملك دمشق؛ فعلموا صحة قوله إنه إن ملكها لم يبق لهم معه بالشام مقام، فاجتمعت الفرنج وعزموا على السير إلى دمشق ليجتمعوا مع صاحبها وعسكرها على قتال زنكي، فحين علم زنكي بذلك سار إلى حوران خامس رمضان، عازماً على قتال الفرنج قبل أن يجتمعوا بالدمشقيين، فلما سمع الفرنج خبره لم يفارقوا بلادهم، فلما رآهم كذلك عاد إلى حصر دمشق ونزل بعدرا شماليها سادس شوال، فأحرق عدة قرى من المرج والغوطة ورحل عائداً إلى بلاده. ووصل الفرنج إلى دمشق واجتمعوا بصاحبها وقد رحل زنكي، فعادوا، فسار معين الدين أنز إلى بانياس في عسكر دمشق، وهي في طاعة زنكي، ليحصرها ويسلمها إلى الفرنج؛ وكان واليها قد سار قبل ذلك منها في جمع من جمعه إلى مدينة صور للإغارة على بلادها، فصادفه صاحب أنطاكية وهو قاصد إلى دمشق نجدة لصاحبها على زنكي، فاقتتلا، فانهزم المسلمون وأخذوا والي بانياس فقتل، ونجا من سلم منهم إلى بانياس، وجمعوا معهم كثيراً من البقاع وغيرها، وحفظوا القلعة، فنازلها معين الدين، فقاتلهم، وضيق عليهم، ومعه طائفة من الفرنج، فأخذها وسلمها إلى الفرنج، وأما الحصر الثاني لدمشق، فإن أتابك لما سمع الخبر بحصر بانياس عاد إلى بعلبك ليدفع عنها من يحصرها، فأقام هناك، فلما عاد عسكر دمشق، بعد أن ملكوها وسلموها إلى الفرنج، فرق أتابك زنكي عسكره على الإغارة على حوران وأعمال دمشق، وسار هو جريدة مع خواصه، فنازل دمشق سحراً ولم يعلم به أحد من أهلها، فلما أصبح الناس ورأوا عسكره خافوا، وارتج البلد، واجتمع العسكر والعامة على السور وفتحت الأبواب وخرج الجند، والرجالة فقاتلوه، فلم يمكن زنكي عسكره من الإقدام في القتال لأن عامة عسكره تفرقوا في البلاد للنهب والتخريب، وإنما قصد دمشق لئلا يخرج منها عسكره إلى عسكرهم وهم متفرقون، فلما اقتتلوا ذلك اليوم قتل بينهم جماعة ثم أحجم زنكي عنهم وعاد إلى خيامه ورحل إلى مرج راهط، وأقام ينتظر عودة عسكره، فعادوا إليه وقد ملأوا أيديهم من الغنائم، لأنهم طرقوا البلاد وأهلها غافلون، فلما اجتمعوا عنده رحل بهم عائداً إلى بلادهم.

وفاة أتابك قراسنقر صاحب أذربيجان.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

وفاة أتابك قراسنقر صاحب أذربيجان.
535 - 1140 م
توفي أتابك قراسنقر صاحب أذربيجان وأرانية بمدينة أردبيل، وكان مرضه السل، وطال به، وكان من مماليك الملك طغرل، وسلمت أذربيجان وأرانية إلى الأمير جاولي الطغرلي، وكان قراسنقر علا شأنه على سلطانه وخافه السلطان
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت