باب ما يقول إذا أراد أن يخمِّر آنيته ويغلق بابه ويطفئ سراجه:
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (( إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ - أَوْ أَمْسَيْتُمْ - فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فَخَلُّوهُمْ، وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا، وَأَوْكُوا قِرَبَكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ، وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ، وَلَوْ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهَا شَيْئًا، وَأَطْفِئُوا مَصَابِيحَكُمْ ) ) [2] .
[2] صحيح: أخرجه البخاري في (( صحيحه ) ) (3280، 3304، 3316، 5623، 5634، 6295، 6296) ، وفي (( الأدب المفرد ) ) (1221، 1230، 1231، 1233، 1234، 1235) ، ومسلم (2011، 2012، 2013، 2014) ، وأحمد (3/ 301، 306، 312، 319، 355، 356، 362، 363، 374، 386، 388، 395) ، وأبو داود (2604، 3731، 3732، 3733، 3734، 4801، 5103، 3104) ، والنسائي في (( السنن الكبرى ) ) (6633، 6880، 10581، 10582) ، وفي (( عمل اليوم والليلة ) ) (745، 746، 942) ، والترمذي (1812، 2851) ، وابن ماجة (360، 3410، 3771) ، ومالك (( الموطأ ) ) (2/ 928، 929) ، وعبد الرزاق (19873) ، والحميدي (1273) ، وابن أبي شيبة (8/ 102، 168، 169) ، وعبد بن حميد (1126، 1140، 1157) ، وأبو القاسم البغوي في (( الجعديات ) ) (2600، 3218) ، وابن خزيمة (131، 132، 133، 2559، 2560) ، وأبو يعلى (1771، 1772، 1774، 1837، 2005، 3120) ، وأبو عوانة (8141 - 8143، 8148 - 8167) ، وابن حبان (1271 - 1276، 5517) ، والطحاوي في (( شرح المشكل ) ) (1081، 1082، 1083، 1775، 1776، 1777) ، والطبراني في (( الأوسط ) ) (1345، 9065) ، وفي (( مسند الشاميين ) ) (2745) ، وفي (( الصغير ) ) (1119) ، والحربي في (( غريب الحديث ) ) (2/ 823) ، والعسكري في (( تصحيفات المحدثين ) ) (1/ 194، 195) ، والحاكم (4/ 140، 283، 284) ، وأبو نعيم في (( المعرفة ) ) (4580) ، وابن عبد البر في (( التمهيد ) ) (12/ 181،182) ، والبيهقي في (( الآداب ) ) (586) ، وفي (( السنن الكبرى ) ) (5/ 256) ، وفي (( الشعب ) ) (6058، 6059، 6061، 6062) ، والخطيب في (( الأسماء المبهمة ) ) (111) ، وفي (( المدرج ) ) (92) ، وأبو محمد البغوي في (( شرح السنة ) ) (3057، 3058، 3059، 3060، 3061، 3062، 3063) ، والمزي في (( تهذيب الكمال ) ) (24/ 125، 126) ، وغيرهم من طرق عن جابر مختصرًا، ومطولًا.
ورواه مسلم (2010) ، وأحمد (23608) ، والدارمي (2131) ، وابن خزيمة (129، 130) ، وأبو عوانة (8144 - 8147) و ابن حبان (1270) ، وأبو نعيم في (( المعرفة ) ) (6095) ، البيهقي في (( الشعب ) ) (6060) ، والخطيب في (( الأسماء المبهمة ) ) (111) ، وفي (( المدرج ) )، وغيرهم من طريق أبي الزبير عن جابر عن أبي حميد مرفوعًا به. فجعلوه من مسند أبي حميد، وكأن مسلمًا رآه محفوظًا على الوجهين، فأخرجه منهما جميعًا، ورواه ابن قانع في (( المعجم ) ) (2/ 103) ، وأبو نعيم في (( المعرفة ) ) (7055) من طريق أبي الزبير عن جابر، فقال فيه: حدثني أبو هند، والله أعلم.
قال النووي في (( شرح مسلم ) ) (13/ 160) : هذا الحديث فيه جمل من أنواع الخير والآداب الجامعة لمصالح الآخرة والدنيا، فأمر صلى الله عليه وسلم بهذه الآداب التي هي سبب للسلامة من إيذاء الشيطان، وجعل الله عز وجل هذا الأسباب أسبابًا للسلامة من إيذائه، فلا يقدر على كشف إناء ولا حل سقاء، ولا فتح باب، ولا إيذاء صبي وغيره إذا وجدت هذه الأسباب ... وفي هذا الحديث الحث على ذكره الله تعالى في هذه المواضع، ويلحق بها ما في معناها.
قوله (( جنح الليل ) ): هو بضم الجيم وكسرها، لغتان مشهورتان، وهو ظلامه، ويقال: أجنح الليل، أي: أقبل ظلامه، وأصل الجنوح الميل.
قوله صلى الله عليه وسلم (( فكفوا صبيانكم ) ): أي: امنعوهم من الخروج ذلك الوقت.
قوله صلى الله عليه وسلم (( فإن الشيطان ينتشر ) ): أي: حنس الشيطان، ومعناه أنه يخاف على الصبيان ذلك الوقت من إيذاء الشيطان لكثرتهم حينئذ، والله أعلم.
قال السندي: قوله (( أغلقوا ) ): من الإغلاق، وهو مقيد بالليل كما جاء في الحديث.
قال الحافظ في (( الفتح ) ) (6/ 410) ط دار الريان: قوله (( خمرا الآنية ) ): أي: غطوها.
قوله (( وأوكئوا ) )بكسر الكاف بعدها همزة، أي: أربطوها وشددها، والوكاء: اسم ما يسد به فم القربة.
وقال أيضًا (11/ 89) ط دار الريان: ... ، وقال القرطبي: الأمر والنهي في هذا الحديث للإرشاد، قال: وقد يكون للندب، وجزم النووي بأنه للإرشاد لكونه لمصلحة دنيوية، وتعقب بأنه قد يفضي إلى مصلحة دينية وهي حفظ النفس المحرم قتلها والمال المحرم تبذيره، وقال القرطبي: في هذه الأحاديث أن الواحد إذا بات ببيت ليس فيه غيره وفيه نار فعليه أن يطفئها قبل نومه أو يفعل بها ما يؤمن معه الاحتراق وكذا إن كان في البيت جماعة فإنه يتعين على بعضهم وأحقهم بذلك آخرهم نومًا، فمن فرط في ذلك كان للسنة مخالفًا ولأدائها تاركًا ))
وقال ابن دقيق العيد أيضًا: هذه الأوامر لم يحملها الأكثر على الوجوب، ويلزم أهل الظاهر حملها عليه، قال: وهذا لا يختص بالظاهر بل الحمل على الظاهر إلا لمعارض ظاهر يقول به أهل القياس، وإن كان أهل الظاهر أولى بالالتزام به لكونهم لا يلتفون إلى المفهومات والمناسبات، وهذا الأوامر تتنوع بحسب مقاصدها: فمنها ما يحمل على الندب وهو التسمية على كل حال، ومنها ما يحمل على الندب والإرشاد معًا، كإغلاق الأبواب من أجل التعليل بأن الشيطان مندوب إليه وإن كان تحته مصالح دنيوية كالحراسة، وكذا إيكاء السقاء وتخمير الإناء، والله أعلم.